فلسفة الهيمنة وغياب الفعل السياسي!

بقلم/ فرج بوخروبة
ليست الأزمة الليبية مجرد تعثُّر سياسي يمكن احتواؤه بتسوية عابرة أو بيان توافقي جديد. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير؛ إنه خلل في فهم السياسة ذاتها، وفي إدراك معنى الدولة، وفي استيعاب حدود السلطة ومسؤولياتها. فحين تتحول القيادة إلى ساحة صراع، وتصبح المؤسسات أدوات تنازع بدل أن تكون أطرًا جامعة، فإن النتيجة الطبيعية ليست سوى هذا الانسداد الطويل الذي تعيشه البلاد.
المشكلة لا تكمن فقط في تعدد الأطراف أو تضارب المصالح، بل في غياب نقطة ارتكاز مشتركة يُبنى عليها أي حل. كل طرف يتحدث باسم الشرعية، وكل طرف يرى نفسه الأحق، لكن الوطن في المحصلة يبدو بلا مظلة حقيقية تحميه من هذا التنازع. وهنا تحديدًا يكمن الخطر: حين تتعدد “الشرعيات” إلى الحد الذي تفقد فيه معناها، تصبح الدولة نفسها فكرة قابلة للتآكل.
ما يُفاقم المشهد أن الصراع لم يعد يُدار بعقلية إدارة أزمة، بل بعقلية كسب جولات. وهذه عقلية قصيرة النظر بطبيعتها، لأنها تنشغل باللحظة الآنية وتغفل ما بعدها. قد يربح طرف موقعًا هنا أو نفوذًا هناك، لكن الخسارة الأكبر تتراكم في بنية الدولة، في ثقة الناس، وفي قدرة المؤسسات على الاستمرار. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التآكل إلى واقع يصعب إصلاحه.
اللافت أن الجميع يدرك حجم الأزمة، والجميع يتحدث عن ضرورة الحل، لكن المسافة بين القول والفعل لا تزال واسعة. السبب لا يعود فقط إلى تعقيد الملفات، بل إلى غياب الاستعداد الحقيقي لدفع كلفة الحل. فكل تسوية جادة تعني تنازلات، والتنازلات في السياق الليبي لا تزال تُفهم على أنها هزيمة، لا بوصفها ضرورة سياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
هذا الفهم تحديدًا هو ما يطيل أمد الأزمة. لأن البديل عن التنازل المتبادل ليس الانتصار، بل الاستنزاف المستمر. لا أحد يخرج منتصرًا من دولة منهكة، ولا معنى لأي سلطة في ظل اقتصاد متعثر وخدمات متدهورة وواقع أمني هش. السلطة في جوهرها ليست غاية، بل وسيلة لإدارة حياة الناس، وحين تفقد هذه الوظيفة، تفقد مبرر وجودها.
ثمة إشكال آخر لا يقل خطورة، يتمثل في غياب الفصل بين السياسي والوطني. فليس كل ما يخدم مصلحة طرف سياسي يخدم بالضرورة مصلحة الوطن. هذه بديهية في أي تجربة سياسية ناضجة، لكنها في الحالة الليبية لا تزال ملتبسة. يتم الخلط بين الحفاظ على الموقع والحفاظ علىالدولة، وبين الدفاع عن النفوذ والدفاع عن الاستقرار. وفي لحظة معينة، يصبح من الصعب التمييز بين الاثنين.
وفي ظل هذا الالتباس، تتراجع الأولويات الحقيقية. ملفات مثل توحيد المؤسسات، وتحسين الخدمات، وإنعاش الاقتصاد، تتحول إلى قضايا مؤجلة، رغم أنها تمس حياة الناس مباشرة. المواطن الليبي لا ينتظر انتصار هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما ينتظر دولة قادرة على القيام بوظائفها الأساسية. لكن هذا الصوت يغيب في ضجيج الصراع، أو يُستدعى فقط في لحظات الخطاب، دون أن ينعكس على أرض الواقع.
المفارقة أن الوقت، الذي يُفترض أن يكون عنصر ضغط نحو الحل، تحول إلى عامل تطبيع مع الأزمة. كلما طال أمدها، بدا وكأنها أصبحت واقعًا مألوفًا، يمكن التكيف معه. وهذه أخطر مراحل أي أزمة، حين تفقد صفتها الاستثنائية وتتحول إلى وضع شبه دائم. عندها، لا يعود السؤال كيف نحل الأزمة، بل كيف نديرها، وهو انزلاق خطير في حد ذاته.
لكن إدارة الأزمة ليست حلًّا، بل تأجيل لها. وكل تأجيل يضيف طبقات جديدة من التعقيد، ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر كلفة. التاريخ السياسي مليء بأمثلة دول دفعت أثمانًا باهظة لأنها تأخرت في اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب. وليبيا ليست استثناءً من هذه القاعدة.
المطلوب اليوم ليس إعادة تدوير الحلول القديمة، ولا إنتاج صيغ شكلية للتوافق، بل مراجعة جذرية لطبيعة الممارسة السياسية. مراجعة تبدأ بالاعتراف بأن الاستمرار في النهج الحالي يقود إلى مزيد من التآكل، لا إلى الانفراج. وأن الخروج من الأزمة يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير قبل أي شيء آخر.
هذا التغيير لا يعني التخلي عن الاختلاف، بل إدارته ضمن قواعد واضحة. لا يعني إنهاء التنافس، بل ضبطه بحيث لا يتحول إلى صراع صفري. ولا يعني إلغاء المصالح، بل إعادة ترتيبها بحيث لا تتقدم على المصلحة العامة. هذه ليست شعارات مثالية، بل شروط أساسية لقيام أي دولة مستقرة.
في النهاية، لا يمكن لأي مشهد سياسي أن يستمر إلى ما لا نهاية في حالة اختلال دون أن يفرض الواقع كلمته. والسؤال ليس إن كان التغيير قادمًا، بل كيف سيكون شكله، وما كلفته. وكلما تأخر الفاعلون في إدراك هذه الحقيقة، جاء التغيير أكثر قسوة وأقل قابلية للتحكم.
ليبيا اليوم ليست بحاجة إلى منتصرين جدد، بل إلى من يملك القدرة على إيقاف هذا المسار. لأن أخطر ما في الأزمات الطويلة أنها لا تنتهي بانتصار أحد، بل بإنهاك الجميع.
