الحل ليبي ليبي قولًا واحدًا

بقلم/ ناجي إبراهيم
لا أستطيع أن أحصي كم مرة قلت كتابة وشفاهة أن الحل في ليبيا (ليبي،ليبي)، وكم مرة دعوت الليبيين إلى أن لاينتظروا حلًّا من الخارج، وأن لايعلقوا آمالهم على المبعوثين، خبرتنا معهم خلال خمسة عشر عامًا، تؤكد مخاوفنا وتوجساتنا، وتجعلنا لاننتظر منهم غير من شهدناه، رغم تبدل الوجوه والأسماء حتى لم نعُد نتذكر أسماء ووجوه الكثير منهم،إلا أن إحاطاتهم وتقاريرهم التي يتقدمون بها في كل فصل أمام مجلس الأمن لم تختلف حتى في مفرداتها منذ تولت البعثة الملف الليبي وأصبحت ليبيا ملفًّا في عهدة الأمين العام للأمم المتحدة، والذي أقصى ما يستطيع تقديمه للقضية الليبية وقضايا النزاع في العالم هو القلق، وفي بعض الأحيان الانزعاج، وحث الأطراف على ضبط النفس والمضي في الحوار.
الدول لاتنشئها التمنيات، ولا تبنى بالبيانات، ولا تحميها الإدانات والشجب، مهما بلغت درجة القلق التي يبديها الأمين العام ومبعوثوه، الدولة كما السيادة، تُنتزع انتزاعا، وتسيجها وحدة الشعب، وتترسخ بالمؤسسات الشرعية الوطنية، والحكومات التي تُنتج في الخارج ووفق أجنداته هي في الواقع خصم من السيادة، ولا تصلح أن تكون أداة للاستقرار إلا بالقدر الذي يخدم مصلحة الخارج، وهذا الاستقرار سيظهر هشًّا، ويمكن تقويضه متى تعارض مع مصلحة الأيادي والأطراف التي ركبته ليخدم مصلحة آنية ومؤقتة.
الاستقرار الهش مقابل الفوضى التي قد تقود البلاد إلى نتائج كارثية أقلها سوءًا سيكون قبول التقسيم، وهو مخطط يجري دفع الليبيين نحوه من خلال مجموعة من المشروعات التي تلامس قشور الأزمة الليبية ولا تغوص في أعماقها ومعالجة أسبابها.
الاكتفاء بإيجاد حلول لآثار الأزمة وترك أصلها يبعدنا -وبشكل مطرد- عن الوصول إلى بر الأمان، ما يوحي بأنه توجد نية مبيتة من الأطراف الخارجية للإبقاء على الأزمة والاستثمار فيها لغايات خبيثة (رومي والا نكسر قرنك) وما الذي يطلب منا أن نرومه ونقبله؟
كلما تقوم به البعثة ومندوبوها منذ توليها الملف الليبي هو إدارة الأزمة حتى لاتخرج من دول الحلف الأطلسي الذي كان هو سبب الأزمة التي تعيشها ليبيا، وحتى لاتقع في أيادٍأخرى قد تكون أطرافًا دولية، تتصارع معها على النظام العالمي، والذي لايرغبونه أن تقع في أيادٍ وطنية لاتقبل بأقل من السيادة.
ينقسم الليبيون إلى فريقين، فريق يرون أن الأزمة في ليبيا أزمة (حكم) وعددهم قليل،وهؤلاء لايرون من الأزمة إلا مايقودهم إلى كرسي السلطة، والبعض من هذا الفريق يراها مغنمًا ويرون الأزمة في الاستيلاء على الثروة، وهذا الفريق هو ما يشجع على إدامة الأزمة ويتعاطى مع التدخلات الأجنبية، ويعولون على ما تقدمه البعثة الأممية من حلول تضمن لهم مصالحهم التي راكموها طيلة سنوات الأزمة.
وفريق آخر وهم الأغلبية والتي ترى أن ما تقدمه البعثة لا يحقق طموحات وآمال الليبيين في إعادة بناء دولة ذات سيادة، وهذا الصوت لا تسمعه البعثة ولا ترغب في سماعه.
الأزمة في ليبيا ليست أزمة حكم تحسم بحكومة تتشكل هنا أوهناك، وليست أزمة محاصصة كما يحاولون تكريسه، ولا تُحل بصندوق الانتخابات، وحتى الانتخابات التي يعتبرها البعض مخرجًا ينهي المراحل الانتقالية ويضع حدًّا للأجسام التي تتمترىس بالسلطة لن يكتب لها النجاح في ظل الانقسام وانتشار السلاح وسطوة الميليشيات، خصوصًا في غرب البلاد من ناحية، ومن ناحية أخرى نتائج الانتخابات غير مضمونة في ظل تغلغل التدخل الخارجي الذي لن يسمح بنتائج لا تحقق له مصالحه.
إذن الأزمة في ليبيا ليست أزمة سلطة تحل بالطرق التقليدية والمعتادة، وكما أنه لا يمكن للأطراف التي تسببت فيها أن تكون طرفًا في حلها، صار النقاش يدور حول علاقة الساحة الليبية كجغرافيا تشكل تهديدًا أمنيًّا لبعض دول أوروبا من حيث تدفق الهجرة غير الشرعية وانتشار الجريمة المنظمة، وأنها مكان جاذب للجماعات الإسلامية المتطرفة، وفي بعض الأحيان ينظر إليها كمقر لتوطين المهاجرين التي أثقلت كاهل القارة الأوروبية ونشطت المنظمات الأوروبية تحت شعارات قانونية وإنسانية في ترسيخ فكرة توطين المهاجرين غير الشرعيين فوق الأراضي الليبية مستغلين الفراغ الأمني الذي تسببت فيه دول الناتو عقب سقوط النظام عام 2011، والأخطر من هذا كله النقاش غير المعلن الذي يدعم التوجه الذي يقود إلى تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم، حتى لو على طريقة أرض الصومال.
هذه ليست هواجس أو شكوكًا، بل هي وقائع ترسم على الأرض والجغرافيا. يجب أن يفهم الشعب الليبي أن أزمتهم ليست أزمة سلطة أو صراع سياسي يحسم بصندوق انتخابات، بل هي أزمة سيادة، قراركم مصادر واستقلالكم علم ونشيد لم تختاروهما.
