أزمة هرمز.. تداعيتها على الصين والعناية الإلهية

بقلم/ عبدالمجيد قاسم
الصين في الموروث الشعبي بلد الصناعات القديمة، فالخزف الصيني لم يغادر الذاكرة، وبعضه لم يغادر خزانة الجدات، والبدلة العربية المصنوعة في الصين لم تغادر وجدان الليبيين كأفضل بدلة عربية ارتدوها في المناسبات الاجتماعية والأعياد.
والصين منذ أن كانت قوافل طريق الحرير تشق الصحاري والجبال، لم تكن مجرد بلد مُنتِج، بل كانت عقلًا تجاريًّا يدرك أن قوة الاقتصاد لا تقوم على الإنتاج وحده، بل على سلامة الطرق التي يصل منها هذا الإنتاج إلى العالم، ومع انتقال العالم من القوافل إلى السفن العملاقة، لم تتغير القاعدة كثيرًا؛ إذ بقيت التجارة مرتبطة بالممرات، وبقيت الممرات مرتبطة بالسياسة، وبقيت السياسة قادرة على خنق الاقتصاد إذا ضاقت الجغرافيا أو اشتدت التوترات، كما هو الحال في مضيق هرمز.
في هذا السياق، تبدو الصين اليوم اقتصادًا شديد الحساسية لأي اضطراب في تدفق الطاقة، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، كما تعتمد أسواقها التصديرية على انفتاح مستمر في طرق التجارة، لذلك فإن أي توتر في هرمز لا يُقاس فقط بإمكانية الإغلاق، بل بما هو أخطر: ارتفاع الأسعار، اضطراب الإمداد، وتذبذب السوق، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج داخل الصين، ويؤثر في قدرتها التنافسية عالميًّا، ولا يقف الأثر عند حدود الصناعة، بل يمتد إلى الخدمات وسلاسل الإمداد الداخلية، باعتبار الطاقة عنصرًا بنيويًّا في كل نشاط اقتصادي.
ومع أن التوتر في المضيق يرتبط غالبًا بالتجاذب بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الصين تتعامل معه بمنطق مختلف؛ فهي لا تدخل في الصدام، ولا تنخرط في إدارة الأمن البحري عسكريًّا، بل تميل إلى الحياد المحسوب، الذي يوازن بين الحفاظ على علاقاتها المتعددة، وتجنب كلفة الانخراط المباشر في الصراعات؛ هذا الحياد ليس موقفًا سياسيًّا بقدر ما هو خيار اقتصادي، يقوم على الاستفادة من الاستقرار دون تحمل أعباء صناعته.
غير أن هذا الاعتماد على ممرات حساسة دفع الصين، عبر مبادرة الحزام والطريق، إلى محاولة إعادة تشكيل خريطة الطرق العالمية، بحيث لا تبقى محصورة في ممر واحد أو منطقة واحدة؛ فبدل الاعتماد على نقطة اختناق مثل هرمز، تعمل على تنويع مسارات الطاقة والتجارة، سواء عبر روسيا وآسيا الوسطى، أم عبر الممرات البرية والبحرية البديلة، أم عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة، وبناء احتياطيات استراتيجية قادرة على امتصاص الصدمات.
لكن التطور الأهم في هذا السياق ليس في تنويع مصادر الطاقة فقط، بل في التفكير في تنويع نقاط الارتكاز البحرية نفسها، وهنا يمكن فهم التوجه الصيني المتدرج نحو الاستثمار في الموانئ العالمية، لا كمشروعات منفصلة، بل كشبكة اقتصادية مترابطة، فالصين تستثمر بالفعل في موانئ على السواحل الإفريقية، وفي نقاط استراتيجية على البحر المتوسط، وفي جنوب شرق آسيا، وتمتد استثماراتها اللوجستية إلى مناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية، غير أن هذا الانتشار لا يُقدَّم في الخطاب الرسمي كـ”منظومة نفوذ”، بل كاستثمارات تجارية وتنموية، رغم أن أثرها التراكمي يشير إلى بناء شبكة لوجستية عالمية متعددة النقاط.
ولو جرى تطوير هذا المسار بشكل أكثر وضوحًا وتنظيمًا، فإنه يمكن أن يتحول إلى بنية استراتيجية متكاملة: شبكة موانئ استثمارية عالمية تقلل الاعتماد على أي ممرٍّ واحد، وتمنح الاقتصاد الصيني قدرة أكبر على إعادة توجيه التجارة عند الأزمات، غير أن هذا الخيار يظل حساسًا سياسيًّا، لأنه قد يُفهم كتحول من الاستثمار إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ البحري، وهو ما تتجنب الصين الإعلان عنه صراحة، رغم أنها تتحرك عمليًّا في اتجاهه.
ويمكن هنا الربط بين هذا المسار وبين فكرة أعمق تتعلق بإدارة المخاطر الاقتصادية على نطاق إقليمي، فبدل أن تتحمل كل دولة صدمات الطاقة والتجارة بشكل منفرد، يمكن تصور إنشاء آلية مشتركة تضم دولًا ترتبط بنفس سلاسل الإمداد، مثل اليابان وسنغافورة وهونغ كونغ وتايوان، تقوم على إنشاء صندوق استقرار صناعي إقليمي، هذا الصندوق لا يهدف إلى الربح، بل إلى امتصاص الصدمات الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب الملاحة، خصوصًا في ممرات حساسة مثل هرمز، بحيث يدعم الصناعات الأكثر تضررًا، ويمنع انتقال الأزمة بسرعة إلى الأسواق.
ويمكن أن يُستكمل هذا الإطار بأدوات موازية، مثل تنسيق شراء الطاقة لتخفيف تقلب الأسعار، وتكوين احتياطيات استراتيجية مشتركة موزعة جغرافيًا، وإنشاء منصات إنذار مبكر لرصد المخاطر في الممرات البحرية، وبهذا يتحول التعامل مع الأزمات من رد فعل منفرد إلى إدارة جماعية للمخاطر.
أما على المستوى القانوني، فلا أعلم إن كان الحديث عن تطوير قواعد الملاحة الدولية في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مطروحًا أم لا، لكنني أراه ضروريًّا، مع أنه قد يصطدم بواقع سياسي معقد يجعل من الصعب فرض رقابة دولية شاملة على الممرات الحيوية، ولذلك قد يكون الأكثر واقعية هو بناء آليات تنفيذية إقليمية تحت مظلة دولية، تركز على الاستقرار العملي بدل التغيير القانوني الشامل.
في النهاية، تدرك الصين أنها قوة اقتصادية عابرة للحدود، لكنها ليست مالكة للحدود التي تعبرها، ولذلك فإن استراتيجيتها تتجه تدريجيًّا نحو تقليل نقاط الاختناق، سواء عبر تنويع الممرات، أم عبر الاستثمار في شبكة موانئ عالمية، أم عبر بناء آليات مالية مشتركة لامتصاص الصدمات، وبين هذه الأدوات كلها، يبقى الهدف واحدًا: تحويل هشاشة الجغرافيا إلى قابلية للإدارة، بدل أن تبقى مصدرًا دائمًا للقلق في قلب الاقتصاد الصيني.
ختامًا، وهو المهم، فإن ما طرحته من أفكار، نحتاجها أيضًا كدول عربية، لذا أطرح التساؤل الآتي: ما الذي يمكن الاستفادة منه –على المستوى العربي- من تعامل دولة كالصين مع أزمة مضيق هرمز، فالصين تتحرك باتجاه تبني استراتيجيات تحمي تجارتها من مثل هذه التقلبات، فهل لدى الدول العربية مثل هذا المنحى، أم أن الأمر متروك للعناية الإلهية؟!
