من التبني إلى طرد اللقيط العاق

بقلم / محمد نبيغ
تُقرأ دورة حياة “الكيان الصهيوني” من زاوية البنيوية التاريخية بوصفها انتقالًا من مشروعٍ وُلد بوظيفة استراتيجية محددة إلى عبءٍ وجودي يجري التخلص منه تدريجيًّا. فالبداية كانت مع وعد بلفور عام 1917، تلك الوثيقة المقتضبة ذات الـ67 كلمة التي لم تكن تعبيرًا عن تعاطفٍ إنساني بقدر ما كانت استثمارًا استعماريًّا طويل الأمد. بريطانيا، التي كانت تبسط نفوذها على نحو ربع مساحة اليابسة، لم تبحث عن وطنٍ لليهود بقدر ما سعت إلى إنشاء أداةٍ تحمي مصالحها الحيوية، وعلى رأسها قناة السويس ومسارات الإمبراطورية. لذلك أنفقت ملايين الجنيهات الإسترلينية لتسليح التنظيمات الصهيونية وقمع ثورات السكان الأصليين، كما حدث في ثورة 1936 التي خلَّفت آلاف الضحايا. منذ تلك اللحظة كان “التبني” مشروطًا بالوظيفة، لا بالهوية أو الاستمرارية.
ومع تراجع الدور البريطاني، انتقلت رعاية هذا المشروع إلى فرنسا خلال خمسينيات القرن الماضي، في سياقٍ استعماري متشابك مع حربها في الجزائر. هناك جرى بناء “المخالب” الحقيقية، عبر دعم البرنامج النووي في ديمونة وتزويد سلاح الجو بطائرات الميراج التي شكَّلت عماد تفوقه في حرب 1967. لم يكن ذلك دعمًا مجانيًّا، بل ثمنًا لدورٍ مباشر في العدوان الثلاثي عام 1956. غير أن التحولات الراهنة تشير إلى انكفاء هذا الدعم، حيث أخذت السياسات الفرنسية مسارًا مغايرًا، يتجلى في القيود المفروضة على الشركات الدفاعية الإسرائيلية، في إشارة واضحة إلى تآكل الوظيفة التي من أجلها تم الاستثمار أصلًا.
في الداخل، لم يتشكل مجتمع متماسك بقدر ما نشأ تركيبٌ هجين تحكمه تناقضات عميقة. فالنخبة الأشكنازية تهيمن على مفاصل القرار، بينما تعاني فئات أخرى، مثل اليهود الإثيوبيين، من تفاوتات حادة تصل فيها معدلات الفقر إلى مستويات مرتفعة. هذا التباين، إلى جانب التوتر بين التيارات العلمانية والدينية، يُنتج حالة انقسام بنيوي يفتقر إلى “العصبية” الجامعة، ويجعل التماسك الداخلي هشًّا أمام الضغوط. وتُظهر المؤشرات أن نسبة واسعة من المجتمع تشعر بالانقسام، ما يعزز احتمالات التفكك من الداخل قبل أي تأثير خارجي حاسم.
ومع تصاعد الأزمات، يبرز نمطٌ من “الهروب المتدرج” الذي يجمع بين الرحيل الجسدي وتسييل الأصول. فقد غادر مئات الآلاف حاملين جنسياتهم الأصلية، في وقتٍ شهد فيه الاستثمار الأجنبي تراجعًا ملحوظًا، وتزايد عرض العقارات بخصومات لافتة. هذه المؤشرات تعكس إدراكًا متناميًا لهشاشة الارتباط بالأرض، وتحول الوجود من مشروع استيطاني دائم إلى إقامة مؤقتة قابلة للانكفاء.
الاقتصاد بدوره لم يسلم من هذا التآكل، خاصة في قطاع التكنولوجيا الذي شكَّل لعقود ركيزة أساسية. هذا القطاع، الذي يسهم -بنسبة معتبرة- من الناتج والصادرات، يواجه نزيفًا في الكفاءات مع هجرة عشرات الآلاف من المهندسين والمتخصصين إلى مراكز التكنولوجيا العالمية. ومع إغلاق عدد متزايد من الشركات الناشئة، يتكشف أن ما كان يُقدَّم كقوة ذاتية إنما ارتبط -إلى حد كبير- ببيئة دعم خارجية بدأت في الانسحاب.
في البعد الجغرافي والاقتصادي، تتحول المزايا إلى قيود. فتعطل الموانئ وارتفاع تكاليف التأمين على الملاحة يضعان ضغوطًا مباشرة على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الواردات البحرية. ومع تزايد كلفة تأمين هذه المسارات على القوى الداعمة، يتراجع الحماس لتحمل أعباء الحماية، ما يعمِّق حالة العزلة ويهدد استمرارية الإمدادات الحيوية.
أما على المستوى الأمني، فقد تآكلت صورة التفوق المطلق. منظومات الدفاع الجوي، رغم كلفتها العالية، تواجه تحديات متزايدة أمام وسائل أقل تكلفة وأكثر مرونة، في ظل مساحة جغرافية محدودة لا توفر عمقًا استراتيجيًّا كافيًا. ومع اضطرار أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح الداخلي، تتضاعف الضغوط العمرانية والاقتصادية، ويتعزز الشعور بعدم الأمان، ما يدفع نحو التفكير في خيارات الخروج.
وفي الميدان القانوني والسياسي، تتزايد الضغوط الدولية مع صدور مواقف وقرارات من مؤسسات قضائية دولية، إلى جانب توجه بعض الدول للاعتراف بدولة فلسطين. هذه التطورات تسهم في تقويض الصورة التقليدية التي تمتع بها الكيان، وتضعه في مواجهة عزلة متنامية على مستوى الرأي العام العالمي، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وقانونية.
في المحصلة، تتقاطع هذه المسارات لتُظهر سلوكًا أقرب إلى ردود فعل متوترة في بيئة ضاغطة، حيث يتصاعد التوتر العسكري والسياسي بصورة قد تعكس محاولة للتعامل مع أزمات مركبة. ووفق هذا المنظور، فإن المشروع الذي نشأ بوظيفة محددة يجد نفسه اليوم أمام تحولات تعيد طرح سؤال الجدوى والاستمرارية، في سياق دولي وإقليمي لم يعد يشبه ذلك الذي وُلد فيه.
