مقالات الرأي

شراكة المستقبل


بقلم / محمد علوش


يقترب موعد انعقاد القمة العربية الصينية الثانية، التي ستعقد في الصين خلال العام الجاري، وسط اهتمام سياسي واقتصادي متزايد، لما تمثله من محطة مفصلية في مسار العلاقات العربية الصينية، ولما تحمله من دلالات استثنائية في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، فهذه القمة لا تأتي في إطار لقاء بروتوكولي عابر، بل تنعقد في لحظة دولية فارقة، تتراجع فيها الأحادية القطبية، وتتقدم فيها ملامح نظام دولي جديد أكثر تعددية وتوازنًا، الأمر الذي يمنحها بعدًا استراتيجيًّا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى أفق أرحب من إعادة تشكيل التوازنات الدولية.
إن قرب انعقاد هذه القمة يمنحها زخمًا إضافيًّا، ويجعل الأنظار العربية والدولية تتجه نحو نتائجها المنتظرة، ولا سيما في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، وما يمر به العالم من أزمات متشابكة تتطلب شراكات جديدة ورؤى أكثر عدالة في العلاقات الدولية، ومن هنا، تبدو القمة العربية الصينية الثانية فرصة تاريخية لإعادة صياغة أطر التعاون بين الجانبين على أسس المصالح المشتركة، والتنمية المتبادلة، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
لقد استطاعت الصين خلال العقود الماضية أن تقدم نموذجًا تنمويًّا متقدمًا، جعلها قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية، كما رسخت حضورها السياسي باعتبارها طرفًا دوليًّا يدعو إلى الحوار، ويرفض سياسات الهيمنة والإملاء، ويؤكد أهمية التنمية بوصفها مدخلًا للاستقرار والسلام، وهذا ما يجعل الشراكة العربية الصينية خيارًا استراتيجيًّا للدول العربية الساعية إلى تنويع علاقاتها الدولية، والانفتاح على قوى صاعدة تمتلك رؤية مختلفة للعالم، وتتعامل مع شركائها على قاعدة المنفعة المتبادلة.
وتكتسب القمة المرتقبة أهمية استثنائية، لأنها تأتي في وقت يحتاج فيه العالم العربي إلى شراكات حقيقية في مجالات الاستثمار، والطاقة، والبنية التحتية، والتحول الرقمي، والتعليم، والتكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر. كما أن العديد من الدول العربية بات شريكًا أساسيًّا في مبادرة “الحزام والطريق”، ما يفتح الباب أمام فرص أوسع للتنمية والتكامل الاقتصادي، وربط الأسواق بالموانئ والممرات التجارية، وتعزيز دور المنطقة العربية بوصفها مركزًا حيويًّا يصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
أما سياسيًّا، فإن القمة العربية الصينية الثانية تشكل مناسبة مهمة لتعزيز التنسيق حول القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تحظى بموقف صيني داعم للحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني، فقد أكدت الصين مرارًا دعمها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ورفضها للاستيطان والعدوان، ودعوتها إلى وقف الحرب، وتحقيق السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية.
ومن هنا، فإن انعقاد القمة في هذا التوقيت يحمل بعدًا خاصًّا بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، الذي يتطلع إلى دور صيني أكبر، وإلى موقف عربي موحد يستثمر هذا اللقاء الدولي المهم من أجل تعزيز الدعم السياسي والاقتصادي لفلسطين، والمساهمة في إعادة الإعمار، ودعم صمود أبناء شعبنا في مواجهة الاحتلال وسياساته العدوانية، كما تمثل هذه القمة فرصة لتأكيد مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، وفي أجندة العمل الدولي الساعي إلى العدالة والاستقرار.
إن أهمية هذه القمة لا تنحصر في الملفات السياسية فحسب، بل تمتد إلى بعدها الحضاري والثقافي أيضًا، خاصة في ضوء المبادرات التي طرحتها الصين، وفي مقدمتها “مبادرة الحضارة العالمية”، و”مبادرة الأمن العالمي”، و”مبادرة التنمية العالمية”، وهي مبادرات تقوم على احترام التنوع الثقافي، وتعزيز الحوار بين الشعوب، وبناء مستقبل مشترك للبشرية، وهي رؤى تنسجم مع تطلعات الشعوب العربية إلى عالم أكثر عدالة وتعاونًا، بعيدًا عن منطق الصدام والاستعلاء.
كما أن القمة المرتقبة تمنح الدول العربية فرصة مهمة للانتقال من مستوى العلاقات التقليدية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، القائمة على نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، وخلق فرص عمل جديدة للشباب العربي، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وترسيخ الاستقرار الاجتماعي.
وفي ظل ما يشهده العالم من حروب وتوترات وأزمات اقتصادية متلاحقة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، يحدُّ من منطق الهيمنة، ويمنح مساحة أوسع لصوت الدول النامية والشعوب الساعية إلى الاستقلال والتنمية. ومن هنا، فإن القمة العربية الصينية الثانية قد تشكل إحدى المحطات البارزة في هذا التحول العالمي، إذا ما أُحسن استثمارها سياسيًّا واقتصاديًّا.
إن المطلوب عربيًا اليوم هو التعامل مع هذه القمة بوصفها فرصة استراتيجية استثنائية، لا مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة، وذلك عبر إعداد رؤى مشتركة، وتحديد أولويات واضحة، والبناء على المصالح المتبادلة مع الصين بما يخدم قضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها فلسطين.
فحين تقترب القمة، تقترب معها فرصة جديدة للعرب كي يكونوا شركاء فاعلين في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لنتائج السياسات الدولية، بل مساهمين في رسم ملامح عالم أكثر توازنًا وعدالة وإنصافًا.

زر الذهاب إلى الأعلى