فلسطين المستمرة

محمدعلوش
لم تكن فلسطين يومًا مجرد نزاع حدودي أو خلاف سياسي عابر، بل كانت على الدوام اختبارًا حقيقيًّا لمصداقية المجتمع الدولي في قيم العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فالقضايا العادلة لا تقاس فقط بمضمونها، بل أيضًا بطبيعة القوى المنخرطة فيها، وكلما امتلك أحد أطراف الصراع نفوذًا واسعًا سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، تحوَّلت المواجهة إلى مسألة عالمية، تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح محور اهتمام دولي مفتوح على كل الاحتمالات، ومن هنا، تظل فلسطين حاضرة في الوعي الدولي، رغم محاولات البعض التقليل من أهميتها أو التعامل معها كملف ثانوي.
لقد شكَّلت فلسطين عبر التاريخ نقطة التقاء بين المحلي والإقليمي والدولي، وبالنسبة إلى شعبها، هي قضية تحرر وطني لا تحتمل التراجع، وبالنسبة إلى المحيط العربي، عنوان صراع مع مشاريع الهيمنة والنفوذ، وبالنسبة إلى شعوب العالم، رمز صراع أوسع بين القوة والحق، وهذا التداخل أعطى القضية قدرة استثنائية على البقاء، رغم كل محاولات التهميش أو التجاهل، وجعلها تتجاوز دورها كملفٍّ سياسي لتصبح قضية قيم ومعنى.
حتى في ظل المشهد الإقليمي المعقد اليوم، حيث تتصاعد الحروب وتتشابك الأزمات، لا يعني ذلك تراجع مكانة القضية الفلسطينية، بل يعكس طبيعة المنطقة نفسها، حيث تتزاحم الأزمات دون أن تلغي إحداها الأخرى، فالتجربة أثبتت أن فلسطين قد تتراجع في صدارة الأخبار، لكنها لا تغيب عن صلب الصراع، لأن جذور الأزمة في الشرق الأوسط مرتبطة باستمرار الاحتلال وغياب الحل العادل، وبذلك تظل القضية الفلسطينية معيارًا حقيقيًّا لقياس الاستقرار الإقليمي وفاعلية المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمات.
كل حرب في المنطقة، سواء أكانت ضد فلسطين مباشرة أم ضد محيطها، تحمل انعكاسات مباشرة للقضية الفلسطينية، فهي ليست مجرد عنوان جانبي، بل مؤشر على توازن القوى في المنطقة، وفلسطين بذلك تبقى قلب الصراع، ورمزًا حيًّا للصراع العادل، وأحيانًا على نحو غير مباشر، فإن أي توتر إقليمي أو تصعيد عسكري يعيد القضية إلى صدارة الاهتمام العالمي، ومن هنا يمكن فهم لماذا لم تتوقف محاولات البحث عن حل أو تسوية شاملة، رغم التعقيدات والتحديات المستمرة.
على مرِّ التاريخ، اعتقد البعض أن التحولات الكبرى في المنطقة ستدفع القضية الفلسطينية إلى الهامش، لكن الوقائع أثبتت العكس، وكلما بدا أن موازين القوى تميل لصالح طرف دون آخر، تظهر حقائق جديدة تؤكد أن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بمعالجة جذور الصراع، لا بمواجهة أعراضه فقط، فالتوازن الحقيقي لا يبنى على المناورات السياسية، بل على معالجة الاحتلال، وضمان الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه.
الأمر الأكثر ثباتًا في هذه المعادلة لم يكن مواقف الحكومات أو التحولات الدولية، بل صمود الإنسان الفلسطيني نفسه، ورغم الانقسامات والضغوط الهائلة، يظل الشعب الفلسطيني متمسكًا بحق الحياة الحرة على أرضه، وهذه الحقيقة أكثر من أي حسابات سياسية تجعل أي مشروع لتجاوز القضية أو القفز عنها مؤقتًا وفاقدًا للجدوى، فالصمود الفلسطيني ليس مجرد مقاومة للاحتلال، بل تأكيد على استمرار الهوية والحق، وهو ما يجعل أي تسوية غير عادلة هشَّة بطبيعتها.
الحديث عن ضياع فرص الحل يتجاهل حقيقة أن الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم، وأن توازنات اللحظة ليست قدرًا نهائيًّا، والتاريخ مليء بقضايا بدت وكأنها انتهت، قبل أن تعود إلى الواجهة عندما تغيَّرت الظروف أو أعادت الشعوب فرض حضورها، وفلسطين مثال حي على ذلك، فهي تعود إلى اهتمام العالم كلما اطمأنت القوى الكبرى إلى وجود متغيرات إقليمية أو دولية جديدة، لتثبت أن الحقوق الحقيقية لا تنسى، وأن الشعوب التي تصر على وجودها لن تهمل.
في ظل التحولات الدولية، من إعادة تشكيل التحالفات إلى تصاعد الصراعات على النفوذ، تتجلى فلسطين كسؤال مفتوح أمام النظام الدولي: هل يمكن الاستمرار في تجاهل حق شعب كامل في الحرية بينما يطلب من المنطقة الاستقرار؟ التجربة تؤكد أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجه بأشكال جديدة، وأن البديل الحقيقي عن دوامة العنف ليس إدارة الأزمة، بل حلها على أساس يكفل الحقوق المشروعة ويضع حدًّا لسياسات الأمر الواقع.
