مقالات الرأي

وعي القبيلة بين المتنفذين ومسلَّمات القدر


بقلم/ محمد بوخروبة
ليست القبيلة كيانًا عابرًا في حياة المجتمعات، ولا مجرد رابطة نسب تستدعى عند الحاجة، بل هي بنية اجتماعية عميقة الجذور، تشكلت عبر تراكم طويل من التجارب واكتسبت شرعيتها من قدرتها على حماية أفرادها وضبط توازنهم وتوفير حد أدنى من التضامن في مواجهة قسوة الحياة، وفي هذا السياق ظلت القبيلة تمثل أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، حين تقوم بدورها الطبيعي كحاضنة للقيم ومرجعية أخلاقية قبل أن تكون إطارًا للانتماء.
غير أن هذا الدور التاريخي لم يعد بمنأى عن التحولات التي تشهدها المجتمعات، خاصة في ظل تصاعد نفوذ المال وتنامي سطوة الأفراد على حساب الجماعة، فقد برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة سعي بعض المتنفذين وأصحاب الثروات إلى التسلل إلى مراكز التأثير داخل القبيلة ليس بدافع الخدمة أو الحفاظ على التماسك، بل بهدف توظيفها كأداة لتعزيز حضورهم وتوسيع دائرة نفوذهم وتحصين مصالحهم.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية، حين تتحول القبيلة من كيان جامع إلى منصة تدار بمنطق المصالح الفردية، وحين يختزل صوت الجماعة في إرادة من يملك المال أو النفوذ، إن هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة بل يتسلل تدريجيًّا عبر ممارسات تبدو في ظاهرها عادية كالدعم المالي أو التوسط في حل النزاعات أو رعاية المناسبات، لكنها في حقيقتها تؤسس لنمط جديد من الهيمنة الناعمة، حيث يشترى الولاء ويعاد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم فئة محددة.
ولعل ما يمنح هذه الظاهرة خطورتها هو تغليفها بخطاب القدر والتسليم، فكثيرًا ما يقال إن هؤلاء هم أهل القدرة وإن القبيلة لا تستقيم إلا بمن يملك القوة والمال، وكأن القيادة قدر محتوم لا يناقش ولا يراجع، وهنا يختلط المفهوم الديني العميق للإيمان بالقدر بحالة من الاستسلام الاجتماعي، تفرغ الإنسان من مسؤوليته وتعطل قدرته على الاختيار والمساءلة.
إن هذا الخلط بين مسلَّمات القدر وواقع الهيمنة يعدُّ من أخطر ما يواجه الوعي القبلي، لأنه يضفي على الانحراف طابعًا من الشرعية ويجعل مقاومته تبدو وكأنها خروج عن المألوف أو تمرد على التقاليد، بينما الحقيقة أن القبيلة في أصلها قامت على الشورى وعلى احترام الكلمة وعلى التوازن بين القوة والحكمة لا على احتكار القرار أو فرض الإرادة.
لقد كان شيوخ القبائل في الماضي يُختارون لما يمتلكونه من رجاحة عقل وسعة صدر وقدرة على جمع الكلمة لا لما يملكونه من مال أو سلطة، وكانت القيادة تكليفًا لا تشريفًا ومسؤولية تحمل بقدر ما تمنح، أما اليوم فإن اختلال هذا الميزان يهدد بتحويل القبيلة إلى كيان تابع تدار شؤونه من خلف الكواليس وتستخدم رمزيته لتغطية قرارات لا تعبر عن إرادة أبنائه.
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود القيادة، بل يمتد إلى بنية القيم ذاتها، فحين يصبح المال معيارًا للوجاهة والنفوذ ومعيارًا للشرعية تتراجع قيم العدالة والتكافؤ، ويقصى أصحاب الرأي الحر وتهمش الكفاءات التي لا تملك أدوات التأثير، ومع مرور الوقت تتشكل طبقة داخل القبيلة تحتكر القرار وتعيد إنتاج نفسها في حين يدفع بالبقية إلى هامش المشهد.
إن القبيلة، في هذه الحالة لا تفقد فقط توازنها الداخلي، بل تفقد أيضًا قدرتها على أداء دورها الاجتماعي، فبدل أن تكون ملاذًا للضعيف تتحول إلى أداة ضغط عليه، وبدل أن تكون إطارًا للإنصاف تصبح ساحة لتكريس التفاوت، وهنا يتجلى الانحراف في أوضح صوره، حين يستخدم الكيان الذي وجد للحماية في إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء.
غير أن هذا الواقع على قسوته، ليس قدرًا لا يرد، فالقبيلة بما تملكه من رصيد تاريخي وما تختزنه من قيم قادرة على استعادة توازنها إذا ما توفر الوعي، وتحررت الإرادة، ويبدأ ذلك بإعادة تعريف القيادة لا بوصفها امتيازًا يشترى، بل مسؤولية تمنح لمن يستحقها، كما يتطلب الأمر استعادة روح الشورى وفتح المجال أمام الأصوات المختلفة، وتكريس مبدأ المحاسبة مهما كان موقع الشخص.
كما أن على أبناء القبيلة، خاصة من النخب المتعلمة والواعية أن يدركوا أن الصمت في مواجهة هذا الانحراف ليس حيادًا، بل هو مساهمة في استمراره، فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًّا حين يترك الخطأ دون تصحيح، وحين يغلب الخوف أو المصلحة على الحقيقة.
ولا يمكن إغفال دور السياق العام، حيث يسهم ضعف مؤسسات الدولة وغياب القانون في تعزيز هذا النمط من السيطرة، فحين تغيب المرجعيات الرسمية تلجأ المجتمعات إلى بدائلها التقليدية، ومنها القبيلة، لكن هذه العودة قد تكون سلاحًا ذا حدين، إما أن تعيد إنتاج القيم أو تكرس الانحراف بحسب من يتولى زمامها.
إن التحدي الذي يواجه القبيلة اليوم ليس في الحفاظ على وجودها، بل في صيانة معناها، فليس المهم أن تبقى القبيلة قائمة، بل أن تبقى عادلة متوازنة معبرة عن إرادة أبنائها لا عن مصالح فئة بعينها، وهذا لا يتحقق إلا بوعي جماعي يدرك أن الانتماء لا يعني التبعية، وأن الاحترام لا يعني الصمت، وأن الحفاظ على التقاليد لا يعني تقديس الأخطاء.
يبقى السؤال إذًا مفتوحًا، هل تستعيد القبيلة وعيها وتحصن نفسها من اختراق المتنفذين، أم تستمر في الانزلاق نحو نمط من القيادة يفرغها من مضمونها؟ إن الإجابة لا تكتب في البيانات ولا تحسم في المجالس المغلقة، بل تتشكل في وعي الأفراد وفي قدرتهم على التمييز بين ما هو أصيل وما هو طارئ، بين ما يخدم الجماعة وما يستخدم للهيمنة عليها.
فبين مسلَّمات القدر التي تدعو إلى الإيمان والطمأنينة، وبينواقع يراد له أن يفرض كحتمية، يبقى الوعي هو الحد الفاصل والرهان الحقيقي الذي يحدد مستقبل القبيلة، إما أن تكون كيانًا حيًّا يجد نفسه، أو إطارًا جامدًا يستغل من قبل من لا يرون فيه إلا وسيلة للنفوذ وتمريرًا للمصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى