اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 3

مهدي امبيرش
نتابع لهذه المداخلة ما سبق أن تم طرحه منذ سؤالنا الكبير والماهوي: ما الإنسان؟ ربما استغرب البعض منذ بداية هذه المداخلات عندما أكدنا أن بداية الأزمة كانت منذ آدم وزوجه، أي أزمة الإنسان التي لا أخالها تنتهي حتى نهاية هذه الحياة الدنيا.
لقد كان تناولنا للاهوت من خلال مصطلح (theology ) و(theosophy) حيث يوضح هذان المصطلحان ملخصًا لبداية الأزمة، حيث المصطلح الأول يذهب إلى أن المطلق أو الإلهي يتموضع في محدود ظرفي، ومن ثم يمكن البرهنة عليه منطقيًّا أو من خلال اللوغوس، وبهذا يتحول هذا المطلق إلى محدود ومتظرف وقابل للإدراك، سواءً من خلال البرهنة المنطقية أم ما يسمى في اللغة الإغريقية والحديثة بالدليل الأنطولوجي، وهو مصطلح مركب من ثلاثة مقاطع (oon) أي الوجود، و(onto) الموجود من الوجود، (logy) اللوغوس أو منطق الموجود الذي يفترض أنه دليل الوجود وليس الوجود، إلا في اللاهوت النصراني الذي جعل عيسى عليه السلام هو الإله نفسه، وهو الذي أشرنا إليه في مداخلات سابقة من أنه أزمة الحلولية، أو القبول لسانيًّا أن يصير المفهوم هو المعنى أو المحدود هو المطلق.
لقد كانت فكرة المعراج سواءً فكرة اللاهوتي المعراجي الزرادشتي الخرافي التي تقول إن زرادشت صعد إلى السماء حيث الآلهة ممتطيًا حيوانًا خرافيًّا بين البغل والحصان، حيث إن الخرافةَ تقتضي أن تكون الوسيلة خرافية كذلك، وهي التي حولها الأعاجم الزرادشتيون الذين دخلوا الإسلام محتفظين بثقافتهم الزرادشتية وسموه البراق، أو الذي سبق أن ذكرنا في المعراج الصوري الذي أتى به البهوتي أفلاطون بالقول بالجدل الصاعد والجدل الهابط، هنا في هذا التصور اللاهوتي إن المقدس مفارق في السماء، ومن ثَم رفض كل المتجسد كما يرى أفلاطون لابد من التخلص من الجسد من خلال تطهير النفس، حيث يكون المعراج الصوري الأفلاطوني مراحل لهذا التطهر حتى تصير النفس نفسًا خالصة، وبذلك تستطيع الاتحاد أو الاتصال بالنفس المطلق.
بذلك تبدأ عملية التطهير من خلال مقولة أستاذه سقراط، (الموت مطلب الفلاسفة). من ثم قلنا إن هذه المرحلة الأخيرة في حياة سقراط قد جعلته تحت تأثير ما يعرف بالصوفية العدمية التي سبق أن ذكرنا تأثر سقراط بالشامانية الهندية والايلوسية ثم الفيثاغورثية والتجريد العددي حتى الفيثاغورثية الجديدة أو الأفلاطونية الجديدة التي تكشف عن أزمة حادة في المدرسة اليونانية التي نقصد بها مدرسة سقراط وأفلاطون الأرستوقراطية، وإن كانت هذه تكشف عن أزمة معرفية، حيث لم يعد المنطق أو القضايا المنطقية أو الثيولوجي بالمفهوم السابق كافيًا ليقدم لنا ما يسمى بالحقيقة، كالذي قرأناه عند الغزالي أو إيكهارت.
هنا نصل من خلال هذه التقدمة إلى المصطلح الثاني (theosophy)، وهنا نذكر أن (theos)، هو زيوس أو ثيوس رب الأرباب في الخرافة الإغريقية، والتي قلنا إن مصطلح (theory) التي تترجم عندنا إلى العربية على أنها نظرية فإنها تبقي على نفس المفهوم أي المجرد وربما المقدس أو الإلهي والذي يوصِلنَا إلى صياغة أخرى لثنائية المادي والمجرد أو المعرفة القبلية والبعدية أو الطاهر والمقدس.
ثيوس إذًا هو الإله المفارق في السماء والنظري هو الفكرة أو الأيدوس المجرد من المادة، حتى أن أفلاطون ينكر هذا المدرك الذي تبنته في النظريات المادية المعاصرة ما يوصف بالمعرفة الحسية أو العينية أو القابل للمس وإخضاعه للتجربة كما تقول ما يسمى بالوضعية والوضعية المنطقية والتجريبية. وإن كنا نرى أن القول بالمدرك والمتعين غير دقيق، لأن هذا الذي يقف في مواجهتنا لا ندركه إلا صورة في الذهن، ولهذا تكون النزعة الوضعية منذ بدايات القرن السابع عشر إلى الآن بمثابة انقلاب، حيث يتحول المرئي إلى صورة لا تذهب بعيدًا الإنكاري أفلاطون للموجودات على أنها ليست إلا صورًا لعالم المثل والكمالات في السماء وبدل الرحلة المعراجية إلى السماء تتبنى الوضعية والوضعية المنطقية رحلة استبطان داخلي، حيث الحقيقة ليست مفارقة في السماء، بل كامنة في هذا الموجود، وهنا تبقى مشكلة التطهير مشكلة قائمة، بل تتحول المشكلة باعتبارها مشكلة معرفية إنسانية منذ آدم إلى إشكالية وإلى بقاء المشكلة وتعدد الحلول.
ويمكن لنا القول إن ما يقوله اللاهوت المتنصر الأوروبي الذي ورث الهلينيستية من أن آدم سقط من السماء والجنة إلى الأرض يحمل الخطيئة الأصلية، وإن مهمة المسيح عليه السلام تخليص أتباعه من الخطيئة بالدم، أي بتقديم نفسه كبش الفداء لأتباعه، مع الإبقاء على مصطلح الهبوط من الجنة في القرآن خلاف السقوط منها. للحديث بقية.
