لا مخارج من النفق!

بقلم د. مصطفى الزائدي
الأزمة المستدامة التي تمر بها بلادنا اليوم، ومعها الأمة العربية والعالم الإسلامي، وصلت إلى مرحلة شديدة الخطورة، تتصاعد فيها التهديدات والتحديات الوجودية. النظر فيما يجري من أحداث محلية وإقليمية ودولية يبين أن ما يجري في ليبيا ليس حدثًا معزولًا أو عابرًا، بل هو جزء من سلسلة طويلة من الأحداث التي تجري وفق مخطط استعماري قديم، يُعاد تنفيذه اليوم بأدوات وأساليب جديدة.
ما جرى في ليبيا منذ عام 2011 لم يكن حدثًا منفصلًا عن محيطه، بل كان جزءًا من مشروع أكبر استهدف المنطقة بأكملها، وقد سبق أن حذَّر القائد الشهيد، رحمه الله، من ذلك مرارًا وتكرارًا منذ ثمانينيات القرن الماضي.
المخططات تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المشروع الصهيوني التوسعي، ويضمن استمرار الهيمنة الاستعمارية على المنطقة وثرواتها.
اليوم صار واضحًا أن دوائر نافذة في الولايات المتحدة الأمريكية تتبنَّى بشكل صريح فكرة تسريع إقامة “إسرائيل الكبرى” بأي ثمن، وتتعامل مع الصراع في المنطقة باعتباره معركة تاريخية مفتوحة. بُنيت رؤيتهم على خرافات وأساطير تلمودية، وأطروحات سياسية صهيونية، جرى توظيفها لتبرير الاحتلال والعدوان والتوسع.
وفي ظل هذا الواقع، تتعرض شعوب المنطقة لعدوان مستمر غير مسبوق. فبعد إسقاط الأنظمة الوطنية في العراق وليبيا وسوريا، وتدمير تلك الدول التي كانت قد وضعت نفسها في بداية طريق التحرر الحقيقي، يتعرض الآن الشعب الإيراني واللبناني والعراقي لاعتداءات وحشية وقصف متواصل مروع، وعمليات اغتيال وإرهاب بلا حدود ولا ضوابط، فلقد صارت سياسة الاغتيالات نهجًا حربيًّا معلنًا يتفاخر به منفذوه.
الولايات المتحدة التي استخدمت السلاح النووي وأبادت مدينتين كاملتين في الحرب العالمية الثانية، لن تتردد في استخدام أي وسيلة أخرى ما دامت تخدم مصالحها الاستراتيجية، وتقرِّبها من إقامة الكيان الصهيوني الكبير على حساب العرب والمسلمين.
نجح العدو في استغلال حالة الانقسام والضعف في العالم العربي والإسلامي، ففرَّق الصفوف واستفرد بكل دولة على حدة، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة البائسة بانخراط بعض الدول العربية في تحالفات مع العدو الأمريكي والكيان الصهيوني ضد دول إسلامية أخرى، تحت ذرائع واهية.
فكيف يمكن لدول عربية أن تسمح بإقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها تُستخدم للاعتداء على دول إسلامية جارة، ثم تتحدث بعد ذلك عن السيادة والدفاع عن النفس؟
إن الأمن العربي كلٌّ لا يتجزأ، وأيُّ اعتداء على دولة عربية أو إسلامية ينعكس بالضرورة على الجميع. أما تحويل أراضي الأمة إلى منصات للعدوان، فهو أمر يتناقض مع أبسط مبادئ السيادة والكرامة الوطنية، والأخوة الإسلامية، وحق الجيرة.
ما أصاب ليبيا منذ عام 2011 هو جزء من هذا المشهد الإقليمي المضطرب. ولذلك فإن الحديث عن حلول سريعة للأزمة الليبية يتجاهل حقيقة أن القوى الدولية لا ترغب في قيام دولة ليبية مستقرة وقوية، بل تفضل بقاء ليبيا، كغيرها من الدول التي ضربها إعصار “الربيع العبري”، دولة ضعيفة منهكة تُستنزف ثرواتها وتُدار عبر شبكات من الوسطاء والوكلاء.
لقد تعاقب على الملف الليبي عدد كبير من المبعوثين الدوليين، وتعددت اللجان والحوارات والمبادرات، لكن النتيجة كانت دائمًا واحدة: لا حل حقيقي في الأفق، مجرد عبث مستمر واجتماعات متواصلة، ولجان حوار وأخرى استشارية، ومبادرات متعددة بنفس المضمون الإنشائي، لكن دون أي تقدم فعلي نحو إنهاء الأزمة.
والسبب واضح، في ظل الفهم الشامل لطبيعة الصراع في المنطقة: الأطراف المحلية المهيمنة، بدعم من الغرب، لا تبحث عن حل بقدر ما تبحث عن استمرار الوضع القائم بما يتيحه لها من نفوذ ومكاسب، والمواطن الليبي يدفع الثمن الأكبر من استقراره وأمنه ومعيشته اليومية، حيث تتدهور الأوضاع المعيشية وترتفع الأسعار بشكل غير مسبوق، فيما تتزايد المخاطر الأمنية وتتعاظم احتمالات الانقسام، فقد تغيرت موازين القوى مرات عديدة، وتبدلت المواقع والنفوذ، ولم يبقَ لأحد مكسب حقيقي أو استقرار دائم.
هذه ليست حالة تشاؤم مفرط ولا دعوة إلى اليأس، وليست خطابًا لزرع الإحباط في نفوس أبناء الشعب، بل لتوضيح طبيعة الأزمة الليبية ضمن أزمة المنطقة، وللتأكيد بأن لا مخرج من النفق إلا بإرادة الليبيين أنفسهم.
لقد فقدت ليبيا سيادتها واستقرارها عام 2011، واستعادتها لن تكون إلا بجهد وطني شامل، فالتجربة أثبتت أن من بيدهم السلطة لا يملكون القرار الحقيقي، وأن القرار الفعلي خارج أيديهم.
من المؤكد أن استمرار الوضع الحالي إلى ما لا نهاية أمر غير واقعي، فالشعوب لا يمكن أن تقبل بالظلم والفوضى والتدهور المستمر دون أن تبحث عن طريق للخلاص.
المطلوب اليوم مراجعة شاملة لطبيعة الصراع في المنطقة وتأثيراته علينا، وأن تعيد النخب السياسية والشباب والقوى الاجتماعية النظر في مواقفها وخياراتها. فليبيا وغيرها من دول المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الانقسام، ولا مزيدًا من الصراعات العبثية.
إن مسؤولية إنقاذ الأمة تقع على عاتق جميع أبنائها، دون استثناء. وإذا لم تتحرك الشعوب العربية وتسترد زمام المبادرة، فوجودها فوق الخريطة محل سؤال كبير.
العدو يستخدم القوة والوحشية، ويحاربنا بإمكانياتنا ومقدراتنا، ونحن نواجهه مشتتين منهارين معنويًّا، وحكوماتنا العميلة تدفع له أموالنا صاغرة، وتقدم له أراضينا ليعتدي منها علينا.
