مقالات الرأي

الصدام بين العقيدة والآلة

بقلم د محمد جبريل

بتحليل الحرب الدائرة في منطقتنا، تتضح سيكولوجية “التكليف الإلهي” مقابل “حماية الرفاهية”، قد تتمكن الآلة من احتلال الأرض، لكن العقيدة هي التي تملك البقاء فيها؛ أي إن “السيادة الجوية” تقابلها “السيادة الروحية”؛ حيث يمكن من الجو تدمير مبنى، لكن لا يمكن تدمير “قناعة”. فمقاتل “محور المقاومة” يرى أن موته انتصارٌ أخروي، والشهادة ذروة النجاح، بينما الثاني مجرد موظفٍ، إذا ازدادت احتمالية الموت انهارت معنوياته، هنا تسقط ورقة التهديد النووي؛ ويجعل الحرب البرية مع هؤلاء أشبه بالانتحار؛ لأن الغازي يقاتل بشرًا يبحثون عنه ليقتلوه أو ليستشهدوا، بينما جنديه يبحث عن ثغرةٍ ليهرب منها ويعود إلى بلاده. إذ إن الردع ينجح فقط مع من «يقدِّس الحياة الدنيا»، لا مع من يرى أن الصبر الاستراتيجي عبادة، والشهادة مفتاح الجنة، وقد لوحظ أن بعض الجنود الأمريكيين يعطِّلون الحاملات بتخريب مجاريها وإضرام النيران فيها.
تختلف كذلك قدرة المجتمعات على تحمُّل الحصار والدمار؛ فمجتمعات الرفاهية تتأثر بشدة عند انقطاع الخدمات الأساسية، كالكهرباء والإنترنت، أو ارتفاع الأسعار، بينما المجتمعات التي تتبنى خطابًا رساليًّا، أكثر اعتيادًا على الظروف الصعبة، وتنظر إلى المعاناة كجزء من الصمود.
كما تظهر الفجوة بين العقيدة الدنيوية والعقيدة الروحية في إدارة الموارد، من خلال “الاستنزاف المالي” مقابل “الصمود الزهيد”؛ يعتمد النموذج الدنيوي على مقاتلٍ برواتب وتجهيزات حماية مكلفة. أما مقاتل العقيدة الرسالية، فيقاتل بالحد الأدنى من الإمكانات، وكثيرًا ما يكون متطوعًا، التنظيمات الإسلاموية نموذج عشناه منذ الثمانينيات، كما انطلقت “ثورة الكرامة” بإمكانات مادية بسيطة، فانتصرت لأنها مدفوعة بعقيدة رسالية.
في نظام “الفرد الرمز”، إذا قُطع الرأس تفكك الجسد؛ لأن الرابط مصلحة سياسية أو خوف من السلطة. أما في النظام العقائدي، فالرابط “عقيدة عابرة للأشخاص”؛ فاغتيال القادة يحولهم إلى “رموز ملهمة” تضخ دماءً جديدة؛ فالقيادة تولد من رحم الميدان، لا من تعيينات إدارية هشة. للأسف، فإن هذه الورقة أسقطها من أيدينا تسلُّل العشرية السوداء.
الخلاصة: يمكن تحقيق الانتصار في الحروب التي تعتمد على “تدمير البنى التحتية والجيوش النظامية”، لكن تخسر دائمًا أمام “حروب الفكرة العقائدية المسلحة”.
يراهن “محور المقاومة” على أن “النَّفَس الطويل للعقيدة” سيؤدي إلى إنهاك “الآلة” الأمريكية، وتفكك الكيان من الداخل.

زر الذهاب إلى الأعلى