مقالات الرأي

أكذوبة النظام الدولي


بقلم / عفاف الفرجاني
حقيقة الصراع الأمريكي الصهيوني ضد إيران لم يعد يفهم ضمن إطاره التقليدي، بل بات حدثًا كاشفًا أعاد صياغة الوعي السياسي الدولي، قبل أن يعيد رسم موازين القوة على الأرض. فالحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختبارًا قاسيًا لكل المسلَّمات التي عاشها العالم وترسخت خلال العقود الماضية، هذه الصورة الذهنية التي آمن بها حلفاء أمريكا قبل أعدائها تنهار اليوم ليهدم أول اعتقاد عالمي بأن أوروبا غير قادرة على الخروج من العباءة الأمريكية، وهذا الذي ظهر جليًّا من خلال الموقف الأوروبي الذي تحول إلى تهديد معنوي مباشر للولايات المتحدة بأن أوروبا تستطع أن تكون قطبًا مستقلًّا في النظام الدولي.
أوروبا الأمس التي فرضت عليها حروب خاسرة مثل الحرب الأفغانية، والحرب العراقية، هي ليست أوروبا اليوم، أعلنتها صراحة وبتصريحات رسمية، واصفة إياها بالفاقدة للشرعية وتحمل مخاطر انفجار إقليمي واسع.
دونالد ترامب الذي يحمل عنجهية سياسية مجنونة قرر التصعيد، ولم يلجأ إلى التشاور مع حلفائه التقليديين، بل تصرف بمنطق أحادي، معتمدًا على شبكة قواعده العسكرية المنتشرة في المنطقة، تتمثل في قواعد عسكرية وأمنية متطورة، وأهمها قواعده الأكثر استراتيجية في دول الخليج، كان مراهنًا على انخراط أوروبي مباشر أو غير مباشر في التمويل والدعم اللوجستي.
غير أن ما حدث كشف حدود هذا الرهان. فالبداية كانت بإسبانيا بقيادة (بيدرو سانشيز) أغلقت قاعدتي (مورون) و(روتا) في وجه أمريكا.
أيضًا بريطانيا وبقرار من كير ستارمر رفضت دعم الضربات الأولى، وألمانيا أعلنت بوضوح عدم مشاركتها، فيما حذر إيمانويل ماكرون من امتداد تداعيات الحرب إلى الداخل الأوروبي. ورغم هذا التراجع، فإن هذه المواقف عكست استقلالًا حقيقيًّا، بل عبَّرت عن محاولة تفادي الكلفة دون القدرة على المواجهة. خاصة في ظل وجود ملفات أمنية واقتصادية عالقة وأهمها الحرب الأوكرانية الروسية.
وضع ترامب انتقادات لقادة أوروبا وعبر عن ذلك صراحة، عندما لوح بعبارة (أمريكا لا تنسى) ليجعل قادة أوروبا بين سندان ترضية أمريكا في حرب ليست حربهم وبين مطرقة غضب ناخبيهم إذا انضموا إلى هذه الحرب، ما يكلفهم مواجهة اضطرابات داخلية.
منذ تولي ترامب الرئاسة في الولايات المتحدة لم يستثن أوروبا من التلويح بتهديدها من خلال حرب اقتصادية، ورفع سقف الحماية إلى ما يشبه الجزية، بل وصل به الأمر إلى التقليل من شأن الجنود الأوروبيين الذين قاتلوا لعشرين عامًا في أفغانستان.
من الأسباب التي أوصلت أوروبا إلى التخلي عن الحليف الأمريكي ولو بطريقة مبطنة، إصرار ترامب على التعامل مع أوروبا كذنب لأمريكا، معتقدًا أن نفوذه يمنحه حتى افتكاك غرينلاند من فك أوروبا، وهذه صدمة عميقة لأوروبا، غير أنها لم تأخد بعدًا إعلاميًّا كبيرًا.
أوروبا اليوم توازن بين كرامة القرار وكلفة المواجهة، لذلك يظهر الموقف الأوروبي أقوى من قبل نسبيًّا، فالدول القوية تعي جيدًا أن بعض التنازلات المجحفة، مفتاح للهيمنة، وهذا ما حصل مع بعض حلفاء أمريكا من دول الخليج.
على الرغم من كون أوروبا أسيرة واقعها البنيوي، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة من ناحية الاستخبارات والدعم العسكري والتكنولوجي، ما يجعل أي حديث عن “السيادة الاستراتيجية” أقرب إلى الطموح المؤجل، إلا أن استحقاق الرفض في الوقت الراهن ليس ترفًا، بل ضرورة، خاصة أن أوروبا تواجه التهديد الروسي من الشرق، والضغط الأمريكي من داخل التحالف، والحضور الصيني في الخلفية، وجدت أوروبا نفسها في وضع دفاعي مركّب. وعليها أنتأخد لنفسها مكانة كبيرة تحفظ سياستها التي بعثرها ترامب، حتى لا تفقد السيطرة على سيادتها وأمنها العام.
حسب تقديري الشخصي هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة إقليمية، بل لحظة إعادة تعريف للنظام الدولي. لقد سقط وهم سياسة القطيع التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية مع العالم، وتأكد أن التحالف لم يعد شراكة متكافئة، بل علاقة غير متوازنة، في عالم تحكمه الاستراتيجيات.

زر الذهاب إلى الأعلى