مقالات الرأي

من يوقف الحرب؟

بقلم/ محمد بوخروبة

في الحروب الكبرى لا تكون الأسئلة البسيطة بريئة، ولا تكون الإجابات سهلة، والسؤال الذي يتردد اليوم في أروقة السياسة الدولية ووسائل الإعلام ليس من بدأ الحرب، بل من يوقفها؟ فبعد أسبوعين من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار لإرادات متصارعة، تتشابك فيها الحسابات الاستراتيجية مع الضغوط الاقتصادية، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى.
في البداية بدا المشهد واضحًا من حيث الشكل، وإن كان معقدًا من حيث المضمون، الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا الحرب تحت عناوين كبيرة، تدمير القدرات العسكرية الإيرانية ووقف برنامجها النووي، بل وحتى تغيير النظام في طهران، لكن الحروب كما يعلم التاريخ لا تسير دائمًا وفق الخطط المرسومة في غرف العمليات، ومع مرور الأيام بدأت الأهداف تتغير والخطاب يتبدل والتوقعات تتراجع.
التصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية ولا سيما من الرئيس دونالد ترامب، تحمل في طياتها مؤشرات واضحة إلى رغبة متزايدة في إنهاء المواجهة، فالرجل الذي تحدث في الأيام الأولى عن ضربات حاسمة وعن مستقبل سياسي جديد في إيران بات يكتفي اليوم بالإشارة إلى أن معظم القدرات العسكرية الإيرانية قد دمرت، وأن الأهداف الأساسية تحققت، وفي السياسة حين يبدأ الحديث عن تحقيق الأهداف فذلك غالبًا تمهيد للانسحاب من ساحة المعركة.
لكن هذه الرغبة الأمريكية في إنهاء الحرب لا تبدو كافية وحدها لوقفها، فالحروب خاصةً حين تتسع رقعتها وتتشابك مصالح أطرافها لا تنتهي بقرار أحادي، وهنا تحديدًا تظهر المعضلة التي تواجه واشنطن، لقد بدأت الحرب بإرادة أمريكية إسرائيلية مشتركة، لكنها لم تعد قادرة على إنهائها بالشروط نفسها التي بدأت بها.
إسرائيل من جهتها، تنظر إلى المشهد بقلق واضح، فتل أبيب تدرك أن قرارًا أمريكيًّا مفاجئًا بوقف العمليات العسكرية قد يتركها في مواجهة واقع لم تستعد له بالكامل، لذلك لا تخفي القيادة الإسرائيلية خشيتها من أن يعلن الرئيس الأمريكي في أي لحظة تحقيق النصر، ثم يقرر إنهاء المواجهة تاركًا إسرائيل أمام تداعيات استراتيجية وأمنية معقدة.
ويعود هذا القلق الإسرائيلي إلى سبب أساسي، الرد الإيراني لم ينكسر كما كان متوقعًا، فرغم الضربات المتتالية لا تزال إيران قادرة على إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، كما أنها لم تفقد القدرة على التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة بها، فالهجمات على القواعد الأمريكية في المنطقة والتوتر المتصاعد في الدول الخليجية، كلها مؤشرات إلى أن الحرب لم تحقق حتى الآن النتيجة التي كانت تراهن عليها تل أبيب.
لكن العامل الأكثر حساسية في هذه المواجهة يتمثل في مضيق هرمز، فهذا الشريان البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، فالتضييق على الملاحة فيه لم يقتصر تأثيره على المنطقة، بل امتد مباشرة إلى الأسواق العالمية، حيث بدأت أسعار الطاقة بالارتفاع في أوروبا والولايات المتحدة.
وقد دفع هذا الوضع الدول الصناعية الكبرى إلى جانب وكالة الطاقة الدولية، إلى اتخاذ خطوة استثنائية عبر الإفراج عن جزء من المخزونات الاستراتيجية للنفط في محاولة لاحتواء الارتفاع في الأسعار، غير أن هذه الإجراءات وإن كانت توفر حلولًا مؤقتة لا تستطيع أن تعالج المشكلة الأساسية، استمرار التوتر العسكري في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
من هنا يتضح أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف إقليمية، بل تحولت إلى أزمة دولية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واسعة، فكل يوم يستمر فيه القتال يضيف مزيدًا من الضغوط على الاقتصاد العالمي، ويزيد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع.
وفي المقابل تبدو طهران مقتنعة بأنها نجحت حتى الآن في تجاوز المرحلة الأخطر من المواجهة، ففكرة تغيير النظام التي كانت تتردد بقوة في الأيام الأولى للحرب اختفت تقريبًا من الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي، بل إن المؤسسات الإيرانية أظهرت درجة عالية من التماسك حتى بعد الضربات القاسية التي استهدفت قيادات ومواقع حساسة.
ومن منظور القيادة الإيرانية فإن مجرد الصمود في مواجهة تحالف عسكري كبير يمثل بحد ذاته إنجازًا سياسيًّا واستراتيجيًّا، فالحروب الحديثة لا تقاس دائمًا بعدد المواقع التي تدمر، بل بقدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي ومواصلة العمل السياسي والعسكري في آن واحد.
لهذا السبب لا تبدو طهران في عجلة من أمرها لإنهاء الحرب، فهي ترى أن ميزان الضغط بدأ يميل تدريجيًّا لمصلحتها، سواء عبر استمرار قدرتها على الرد العسكري، أم من خلال التأثير المتزايد على أسواق الطاقة العالمية.
ومن هنا أيضًا يأتي الرد الإيراني المتكرر على التصريحات الأمريكية، أن من بدأ الحرب ليس بالضرورة من ينهيها، فوقف العمليات العسكرية لن يكون من وجهة النظر الإيرانية مجرد إعلان سياسي من واشنطن، بل نتيجة مفاوضات تفرض فيها طهران شروطها الجديدة.
وهذا يعني أن أي عودة إلى طاولة المفاوضات لن تكون شبيهة بتلك التي سبقت الحرب، فالمطالب التي كانت الولايات المتحدة تطرحها قبل اندلاع المواجهة قد لا تبقى على حالها، وقد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى خفض سقف شروطها إذا أرادت فعلًا إنهاء التصعيد.
في ضوء هذه المعطيات يمكن القول إن الحرب دخلت مرحلة توازن الإرادات، الولايات المتحدة ترغب في إنهائها لتجنب تداعيات اقتصادية وسياسية أوسع، وإسرائيل تخشى من نهاية مبكرة لا تحقق أهدافها بالكامل، فيما ترى إيران أن استمرار الضغط قد يمنحها مكاسب لم تكن مطروحة قبل اندلاع المواجهة.
وبين هذه الحسابات المتضاربة، يصبح السؤال من يوقف الحرب؟ أكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى، فالحروب لا تتوقف فقط حين تتعب الجيوش، بل حين تصل الأطراف المتحاربة إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التراجع.
حتى الآن لم تصل هذه القناعة بشكل كامل إلى أي من الأطراف، ولذلك يبدو أن الطريق إلى وقف الحرب لا يزال طويلًا وممتلئًا بالمفاجآت، وربما يكون الدرس الأهم في هذه اللحظة أن الحروب مهما بدت سهلة في بدايتها فسرعان ما تتحول إلى أزمات يصعب التحكم في نهاياتها.

زر الذهاب إلى الأعلى