مقالات الرأي

لماذا إيران؟

بقلم/ ناجي إبراهيم

ماذا لو أن إيران عقب نجاح ثورتها وتولي السلطة وتقويض نظام الشاه لم تغلق السفارة الإسرائيلية (وتفتح مكانها سفارة لفلسطين)، وتطرد موظفي السفارة الأمريكية وتعتقل الجواسيس وتحاصرهم داخل السفارة، وتعلن انحيازها للقضية الفلسطينية وتضع تحرير القدس هدفًا وفي مقدمة أهداف الثورة؟
عندما تخلى العرب والمسلمون عن دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية فتحت إيران ذراعيها لهم ومولت وسلحت وكانت الحاضنة لقياداتها، ولم ترضخ للضغوط التي مارستها عليها الدول الغربية وصمدت عندما طأطأ جيرانها رؤوسهم أمام التهديدات، وواجهت أشد وأقسى العقوبات، وتحملت وصبرت ونجحت في تحويل تلك التحديات إلى فرص، وطورت قدراتها واستثمرت في قدراتها البشرية والمادية، وربط الإيرانيون على بطونهم، وتحملوا الجوع، ونجحوا في هزيمة غرائزهم، واستعدوا لمعركة تاريخية كالتي يواجهونها اليوم.
لماذا إيران؟
هل لأن إيران دولة إسلامية، وتقود ثورة شكَّلت كما يدعون خطرًا على جيرانهم؟
تركيا أيضًا دولة إسلامية، وتاريخيًّا شكَّلت لأكثر من أربعة قرون عاصمة لدولة الخلافة الإسلامية، ولم يتهمها الغرب أنها تشكِّل خطرًا على جيرانها، رغم معاركها معهم جميعًا في العراق وسوريا وحتى أرمينيا، بحجج مختلفة، وتحتل مناطق حدودية اقتطعتها من العراق وسوريا، ولم تُخفِ تطلعاتها في الاستيلاء على حلب السورية وكركوك العراقية، وعلى الرغم من ذلك لم تتهمها أمريكا بأنها تشكِّل خطرًا محتملًا أو وشيكًا على جيرانها، ولم تستدعِ تواجدًا أمريكيًّا أو غربيًّا ليكون قوة حماية ضد المخاطر والأطماع التركية، في حين اكتظت دول الخليج العربي بالتواجد العسكري بحجة ودعاوى الخطر الإيراني، والذي تبين أنه لم يستطع أو لم يرغب في حمايتهم، بل بات سببًا للخطر، لأن تلك القواعد تحولت إلى منطلق للعدوان، ولا أحد يلوم الإيرانيين في مهاجمتهم لأي مكان يهدد أمنهم وتنطلق منه الصواريخ والقذائف والطائرات، حتى لو كانت الدول التي تستضيف هذه القواعد غير مشتركة في العدوان.
هل ما تتعرض له إيران اليوم من عدوان همجي وبربري وغير مبرر وينتهك جميع الأعراف والقوانين الدولية لأنها تملك مشروعًا نوويًّا؟
أولا هذه الفزاعة قد استخدمتها أمريكا ضد العراق وثبت كذبها فيما بعد، ورغم أن أيران فتحت منشآتها للوكالة الدولية للطاقة، وأعلنت مرارًا أن مشروعها سلمي، ولا ترغب في إنتاج أسلحة نووية، ومع ذلك توجد دول أخرى ومنها إسلامية تمتلك بالفعل أسلحة دمار شامل ولم تواجه مثل هذه الاتهامات، ولم تستخدم ضدها القوى الغاشمة لتجريدها من سلاحها.
وقالوا إن النظام في إيران يستخدم القوة في مواجهة المتظاهرين السلميين، وقد استخدموا هذا الحجة ضد النظام الجماهيري في ليبيا عام 2011، وما الذي حدث فيها بعد أن سقط النظام؟ الوضع ازداد سوءًا وبات لا يطاق على جميع الصعد، وفقدت ليبيا سيادتها، وحدث الشيء نفسه في سوريا عقب سقوط النظام 2024، والعراق عقب احتلالها عام 2003،
كل الموضوع رغم العناوين التي تستخدمها الإمبريالية في جميع حروبها هو صراع بين مشروع استعماري تقوده الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومدعوم من الغرب الأطلسي، ومشروع تحريري تقوده إيران مدعومة من قوى المقاومة في المنطقة والعالم
قد نختلف مع سياسات إيران ومقارباتها لبعض القضايا، ومنها حربها لثماني سنوات ضد العراق، رغم أنها فرضت عليها، ومع هذا أظهرتها على أنها خطر يتهدد المنطقة بثورة إسلامية تستهدف تشييعها وقلب أنظمة الحكم فيها، وغذى ذلك الخوف ما يحدث في الميدان في منطقة الخليج ونفخت فيها كثيرًا الصحافة الغربية وخاصة منها الناطقة بالعربي، وباتت النظم الخليجية بين فزاعتين (العراق وإيران)، إذا أنتصر أحدهما سيزحف في اليوم التالي عليها، وما رسخ ذلك وفتح أبواب الخليج أمام تدفق جيوش حلف الأطلسي الغزو العراقي للكويت، الذي ما كان وجوده يومًا لحماية هذه النظم، والتي نراها اليوم تواجه الصواريخ الإيرانية منفردة، ولكن كان الهدف هو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بشكل يخدم المشروع الغربي الصهيوني وحماية لمصلحتيهما في منطقتنا، وبدأوا في رسم الخارطة منذ غزوهم العراق وإسقاط نظامه عام 2003 واستكملوها بما سموه الربيع العربي بإسقاط ليبيا، وتقسيم اليمن، وتمكين جماعة النصرة من حكم سوريا، وبات الطريق ممهدًا لإعلان دولة إسرائيل الكبرى بعد الانتهاء من النظام الإيراني، ولن يكون هناك فيما بعد مكان لإمارات النفط في هذه الخريطة.
وما يعزز اختلافنا مع السياسات الإيرانية التي شكَّلت تناقضًا بين شعاراتها وممارستها على الأرض دعمها العدوان الأطلسي علي ليبيا عام 2011 حتى لو كان سياسيًّا والتي تقف معها في نفس الخندق المعادي للمشروع الاستعماري، ومع ذلك قد نجد لها العذر لأنها تعتقد أنها تؤجل موعد معركتها معهم (قصر نظر) لو كانت دعمت ليبيا وبنفس القوة التي دعمت بها سوريا ربما كان المشروع قد هُزم إلى الأبد وما كانت اليوم تواجهه بشكل منفرد، (هذه وجيعة نسجلها) وهي تعتبر إحدى السقطات التي وضعتها عند بعض العرب في محل شك، وخاصة عندما تتعارض السياسات مع الشعارات ويبقى أملنا كبيرًا أن لا تسقط إيران حتى لو لم يُهزم المشروع الاستعماري، وأن تفشل المخططات الاستعمارية بفعل الصمود الإيراني.

زر الذهاب إلى الأعلى