مقالات الرأي

من الانحلال الداخلي إلى العدوان الخارجي: هل نشهد السقوط الحتمي للإمبراطورية؟

بقلم/ فراس الحجازي

بعد الحرب الباردة، لم يعد الصراع أفكارًا، بل تحول إلى مواجهة بين قوة عالمية مهيمنة تقودها شهواتها، وقوى أخرى تقاتل بغريزة البقاء. فالولايات المتحدة لم تعد تحركها شهوة التوسع بقدر ما تحركها “شهوة” الحفاظ على هيمنتها المطلقة بأي ثمن. وعلى الجانب الآخر، تقف قوى مثل الصين وروسيا، التي بدأت رحلتها مدفوعة بـغريزة البقاء في وجه التهديدات، ومع مرور الوقت أصبحت في مواجهة حتمية لهذا النظام الأحادي القطب. لكن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط بسبب قوة التحديات الخارجية، بل لأنها تتعفن من الداخل.
“شهوة الهيمنة” التي تدفع القوة العظمى إلى التوسع وفرض إرادتها في الخارج هي نفسها التي تتحول إلى انحلال أخلاقي مدمر في الداخل. فضائح مثل قضية “إبستين”، قضية بنك دانسكي (فساد مالي وغسيل أموال)، فضيحة وثائق بنما (فساد مالي عالمي ممنهج) وغيرها الكثير…. كل هذا كشف عن شبكة من الانتهاكات المروعة تورطت فيها نخب سياسية ومالية، ليست مجرد حوادث معزولة، بل هي أعراض مرض عضال.. إنها “الشهوة” في أقبح صورها؛ شهوة بلا حدود لنخب، بعد أن امتلكت كل شيء، لم يعد يرضيها سوى كسر آخر المحرمات الإنسانية والأخلاقية.
هذا التحلل الأخلاقي الداخلي يفقد الإمبراطورية أهم أسلحتها على الإطلاق: شرعيتها الأخلاقية وقوتها الناعمة. وهنا نصل إلى الفصل الأخير من مسرحية السقوط، اللحظة التي تبدأ فيها القوة المهيمنة في التهام المبادئ التي قامت عليها، فالنظام العالمي الذي أسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كان قائمًا على مبادئ واضحة وواعدة. سيادة الدول القانون الدولي، والمعاهدات الاقتصادية وكسر الاحتكار واحترام حقوق الإنسان وحفظ السلام والأمن العالمي كل هذا سقط أمام “شهوة الهيمنة” في مرحلتها المتأخرة والتي لم تعد تحتمل أي قيود. وبدأت تمنح نفسها “حق الاستثناء”، وتخرق القوانين التي تفرضها على الآخرين. فتقوم بغزو دول دون تفويض أممي، وتدعم حلفاءها، حتى لو انتهكوا القانون الدولي بشكل صارخ، وتستخدم العقوبات كسلاح لتدمير الاقتصادات التي لا تخضع لها.
عندما تصدر هذه الأفعال من راعي النظام، فإنه لا يخرق القانون فحسب، بل يدمر النظام نفسه. هو يرسل رسالة واضحة للعالم: “قوتي هي القانون، وليس القانون هو قوتي”. وبذلك، يفقد شرعيته كقائد، ويفتح الباب أمام قانون الغاب الذي يدعي محاربته. ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع جيوسياسي، بل هو أزمة حضارية متكاملة الأركان؛ صراع بين قوة مهيمنة وصلت إلى ذروة شهوتها الخارجية، وتزامن ذلك مع أقصى درجات تحللها الأخلاقي الداخلي، ونفاقها القانوني الصارخ.
السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الأعراض المتزامنة للتمدد المفرط في الخارج والتعفن الأخلاقي في الداخل: هل ما نشهده اليوم هو مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها، أم أننا بالفعل نعيش اللحظات الأخيرة من “مرحلة ما قبل السقوط” الحتمي لإمبراطورية استنفدت أغراضها الأخلاقية والتاريخية؟

زر الذهاب إلى الأعلى