المؤسسة الوطنية للنفط بين الترهل والإصلاح

بقلم/ محمد علي البوري
لم تعد المؤسسة الوطنية للنفط، في صورتها الحالية، قادرة على أداء الدور الذي أُنشئت من أجله بوصفها ركيزة الاقتصاد الليبي ومصدر الدخل السيادي للدولة. فقد تحولت، مع مرور السنوات، إلى جسم مترهل يثقل كاهله الفساد الإداري والبيروقراطية، الأمر الذي أضعف قدرتها على إدارة أهم قطاع اقتصادي في البلاد بكفاءة وشفافية.
ومع هذا الواقع، ظهرت خطابات خطيرة تُروَّج في بعض الأوساط، تقوم على منطق قبلي ضيق، مفاده أن وجود الموانئ النفطية في مناطق معينة يمنح أبناء تلك المناطق حقًّا خاصًّا في العمل بقطاع النفط، بل وحتى أولوية في قيادته. هذا الطرح لا يهدد فقط مبدأ الدولة، بل يفتح الباب أمام تحويل الثروة الوطنية إلى غنيمة مناطقية وقبلية، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد العدالة الوطنية.
وقد كان هذا المناخ أحد العوامل التي ساهمت في ما شهدته البلاد خلال فترة حكومة علي زيدان، عندما تمكنت ميليشيات بقيادة إبراهيم الجظران من السيطرة على عدد من الموانئ النفطية، في سابقة خطيرة كشفت هشاشة بنية إدارة هذا القطاع الحيوي.
إن معالجة هذا الخلل البنيوي تتطلب التفكير في حلول جذرية، لا ترقيعية. ومن بين هذه الحلول إعادة هيكلة القطاع النفطي بالكامل، عبر إنهاء الشكل الحالي للمؤسسة الوطنية للنفط، واستبداله بنموذج اقتصادي حديث يقوم على إنشاء ثلاث إلى خمس شركات نفطية ليبية وطنية كبرى تتولى إدارة القطاع وفق معايير تجارية واضحة، وتعمل في شراكات استراتيجية مع شركات دولية، على أساس قواعد الربح والخسارة والكفاءة التشغيلية.
وفي هذا النموذج، تُورَّد الإيرادات السيادية مباشرة إلى مصرف ليبيا المركزي دون أي وساطة بيروقراطية. كما يستلزم الإصلاح إنهاء الدور المتضخم لما يُعرف بالمصرف الخارجي، الذي تحول إلى مؤسسة بلا مبرر اقتصادي حقيقي، حيث يقتصر دوره عمليًّا على كونه مراسلًا للمصرف المركزي. وقد تضخم هذا الكيان لأسباب سياسية أكثر منها اقتصادية، ما يجعل إعادة دمج أصوله وودائعه في مصرف ليبيا المركزي خطوة منطقية لاستعادة الانضباط المالي.
غير أن مثل هذه الإصلاحات العميقة لا يمكن أن تتحقق في ظل حالة الانقسام السياسي وضعف الشرعية المؤسسية التي تعيشها البلاد. فإصلاح قطاع النفط، باعتباره العمود الفقري للاقتصاد الليبي، يتطلب أولًا تأسيس شرعية سياسية حقيقية.
ولهذا، فإن المدخل الأساسي لأي إصلاح اقتصادي حقيقي يمرُّ عبر إقرار دستور دائم للبلاد، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة تفرز سلطة شرعية قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، بعيدًا عن الضغوط الجهوية والقبلية.
إن مستقبل الثروة النفطية في ليبيا ليس مجرد قضية اقتصادية، بل هو في جوهره قضية دولة. فإما أن تُدار هذه الثروة بمنطق الدولة والمؤسسات، وإما أن تبقى رهينة الفوضى والصراعات الضيقة.
