صناعة التضليل

بقلم/ د. محمد جبريل العرفي
الإعلام الرقمي مرحلة نحو الديموقراطية المباشرة، يسبر آراء الجماهير، ويكبح تغول السلطة، ويمارس للرقابة الشعبية، ويحارب الفساد، لكنه همش المرجعية وأضعف المصداقية، فضاعت الحدود بين الحقيقة والدعاية.
وبالإسقاط على حرب الخليج الثالثة، نجد أن الموقف الجماهيري شكَّل قوة ضاغطة لدعم إيران، فاضطرت الأنظمة إلى مجاراة شعوبها، ولم تخنع للإملاءات (الصهيوأمريكية)، كما تقلصت العداوات المذهبية، فاختفت الفتاوى المحرضة على قتال إيران، بعكس سلوك المرجفين أثناء طوفان الأقصى.
لكن السلبي هو التلاعب بالمعلومات بحجبها أو تزييفها، وتسطيح الوعي بالتحليلات المضللة، والتضييق على آراء المقيمين كما فعل تميم بتميم، مقابل إعلام مرتزق يروج لوجهة نظر من يموله بعيدًا عن المصداقية، ومضر بالمصلحة الوطنية، وإنتاج خطاب إعلامي غير خاضع لمعايير المسؤولية المهنية، وخاصة بعد قدرة الذكاء الاصطناعي على الفبركة والتزوير والتضليل.
قلة من الإعلاميين الذين قدموا معلومات موثوقة وتحليلات علمية وتوقعات واقعية. غير أن الوصول إلى هؤلاء يتطلب مهارة التمييز بين المصادر، فالكثير من المنصات الإعلامية تخفي رسالتها الحقيقية باستخدام قاعدة (الثمن)، أي نشر سبع معلومات صحيحة لكسب ثقة الجمهور، ثم دس ثامنة مزورة، كقناة الجزيرة 1996 تحدت الرواية الرسمية حول غزو العراق وأفغانستان، وتبنت خطابًا معاديًا للصهيونية ومناصرًا للقضية العربية، فاكتسبت ثقة الجمهور، غير أن 2011 ظهرت عورتها، فتبيَّن أنها تخدم أجندة مخابراتية معادية للعروبة والإسلام.
يجب تشغيل العقل والبعد عن العاطفة، قبل تصديق الخبر، وذلك بتحليل الخلفيات السياسية للوسيلة، وفهم الأهداف النهائية لتيارها وممولها، فالأهداف تفسر السلوك، وتقييم تاريخ المتحدث وأيدولوجيته، مع الأخذ بالاعتبار أن المتحدث أحيانًا لا يعبر عن قناعاته بل لسان حال مموليه، ممكن تحترم المختلف معك إذا كان ثابتًا على مبدئه، وبعيدًا عن الظرفية والنفعية، فلنحسن انتقاء ما نشاهده ونقرأه ونتابعه، من مصادر المعرفة العميقة، للتخلص من التلوث والتفاهة والتخمة المعلوماتية والتضليل.
الخلاصة؛ الإعلام الرقمي الشعبي يدعم المشاركة الشعبية ويعزز الرقابة الشعبية، لكنه ينشر التضليل ويساهم بالحروب النفسية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي، هو قدرة التمييز بين الحقيقة والدعاية. المسؤولية تقع على عاتق المتلقٍي، لتحويل هذا الإعلام من ساحة للتلاعب بالعقول إلى فضاء لصناعة الوعي، وبناء رأي عام مستنير، فليكن قارئًا واعيًا للمشهد، لا مجرد مستهلك ساذج للمحتوى.
