مقالات الرأي

قراءة في العدوان على إيران وتداعياته الإقليمية

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

تواجه إيران اليوم عدوانًا عسكريًّا يأتي في سياق سياسة دولية تتبناها الإدارة الأمريكية، تقوم على تغيير الأنظمة السياسية في عدد من الدول، واستهداف قياداتها، والعمل على إنتاج أنظمة أكثر انسجامًا مع المصالح الأمريكية. وهذه السياسة، في جوهرها، تعكس منطق القوة والغلبة في العلاقات الدولية، أكثر مما تعكس منطق القانون الدولي واحترام سيادة الدول.
ومهما اختلفت المواقف السياسية من إيران وسياساتها الإقليمية، فإن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الخلافات السياسية التقليدية، ليتحول إلى نموذج خطير في إدارة الصراعات الدولية، يقوم على استخدام القوة العسكرية المباشرة واستهداف القيادات السياسية والعلمية والدينية داخل الدول. فقد طالت الضربات الأخيرة شخصيات سياسية وأمنية وعلماء ورجال دين، بل امتدت لتطال مدنيين أبرياء، في مشهد يعيد إلى الأذهان صفحات مؤلمة من تاريخ الحروب الحديثة.
ومن أكثر الصور مأساوية ما حدث في إحدى المدارس في طهران، حيث سقط عشرات الضحايا من الطالبات جراء قصف صاروخي استهدف منشأة تعليمية، في جريمة إنسانية تعكس طبيعة الحروب الحديثة التي لا تميز بين هدف عسكري ومدني. هذا المشهد يعيد التذكير بحوادث مشابهة عرفتها المنطقة، ومنها ما حدث في ليبيا عام 2011 عندما استُهدفت مدرسة ماجر في مدينة زليتن، وسقط فيها عشرات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس في قصف جوي شكل حينها صدمة إنسانية عميقة.
إن أخطر ما في هذا العدوان لا يقتصر على نتائجه العسكرية المباشرة، بل يكمن في تداعياته السياسية والاستراتيجية على المنطقة بأكملها. فالولايات المتحدة حشدت أساطيلها البحرية وحاملات الطائرات وقواعدها العسكرية المنتشرة في الشرق الأوسط، في مشهد يعكس استعدادًا لتصعيد واسع قد يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع إيران.
وفي ظل هذا التصعيد، تتزايد المخاوف من انتقال الصراع من مستوى الحرب الإقليمية المحدودة إلى مواجهة أوسع قد تشمل أطرافًا ودولًا أخرى. فدول المنطقة، بما فيها قوى إقليمية كبرى مثل تركيا ومصر، تتابع هذه التطورات بقلق بالغ، إذ يدرك الجميع أن أي انفجار واسع للصراع ستكون له تداعيات عميقة على الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.
كما أن اتساع دائرة التوتر قد يفتح الباب أمام استهداف الوجود الأمريكي في عدد من دول الخليج، حيث تنتشر القواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية. ولا يقتصر هذا الوجود على البعد العسكري فحسب، بل يمتد إلى حضور استخباراتي واسع، تعمل من خلاله أجهزة مختلفة على إدارة ملفات سياسية وأمنية حساسة في المنطقة.
وفي المقابل، ترى إيران أن ما تتعرض له يندرج في إطار عدوان مباشر على سيادتها، ما يدفعها إلى التلويح بحق الدفاع المشروع عن النفس وفق قواعد القانون الدولي، بما قد يشمل استهداف المصالح العسكرية للخصوم في المنطقة. وهذا التطور من شأنه أن يوسع رقعة الاشتباك ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة.
لهذا، بدأت أصوات دولية كبرى، مثل روسيا والصين وباكستان، تحذر من أن استمرار هذا النهج التصعيدي قد يقود العالم إلى مرحلة أكثر خطورة، قد تصل إلى مواجهة دولية كبرى إذا لم يتم احتواء الصراع وإعادة فتح قنوات الحلول السياسية.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار حقيقي لمستقبل النظام الدولي نفسه: هل سيبقى محكومًا بقواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، أم أنه سينزلق أكثر نحو منطق القوة الذي قد يفتح الباب أمام صراعات عالمية لا يمكن التنبؤ بنتائجها؟

زر الذهاب إلى الأعلى