زمن الخوف الرديء !

بقلم/ د. مصطفى الزائدي
عام 1801 إلى 1805 اندلعت حرب طويلة بين البحرية الطرابلسية في عهد القرمانليين والبحرية الأمريكية التي بدأت للتو تتمدَّد خارجيًّا بعد انتهاء الحرب الأهلية، دخلت إلى البحر الأبيض المتوسط ورفضت دفع الجزية إلى باشاوية طرابلس مقابل الإبحار الآمن على طول الشواطئ الجنوبية، أسوةً بالدول الأوروبية التي كانت تدفع إتاوات ضخمة مقابل مرور سفنها التجارية عبر المتوسط.
اضطرت البحرية الأمريكية إلى الدخول في حرب طويلة على طول شاطئ طرابلس الممتد من السلوم إلى قابس، وألحقت بهم هزيمة نكراء في درنة، وفي طرابلس دُمِّر الأسطول الأمريكي وأُحرقت بارجة القيادة فيلادلفيا، وأُسر مئات الجنود، ولم يُفرج عنهم حتى خضعت الولايات المتحدة للشروط الطرابلسية، ولا يزال البحارة الأمريكيون في قوات المارينز ينشدون كل صباح النشيد الرسمي للبحرية الأمريكية، وفي مطلعه “هيا بنا نذهب إلى شواطئ طرابلس”.
هذه المقدمة المهمة رأيت أن أذكر بها ونحن نتابع حال العرب البائس خلال العقود الماضية، ووضعية الذل والخنوع وتسليم كل مقومات القوة الذاتية للأمة إلى أعدائها طوعًا ودون أدنى مقاومة.
حرب الخليج الثالثة التي تدور رحاها في منطقة الخليج العربي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، منذ شرارتها الأولى أحدثت زلزالًا اقتصاديًّا عالميًّا وصلت آثاره إلى كل دول العالم. فإضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة لدى المعتدين بسبب قوة الرد الإيراني الصاروخي والجوي على القواعد الأمريكية من الأناضول وحتى بحر العرب، وعلى الكيان الصهيوني، وفشل منظومات الدفاع الجوي الأمريكية في المنطقة في التصدي لها، فقد ألحق الإيرانيون أضرارًا بالغة بالقواعد الأمريكية وبالكيان ومنشآته الاقتصادية، كما نتج عن ذلك إرباك شديد لحركة الاقتصاد في منطقة الخليج العربي التي كانت تُستخدم كمقار آمنة للشركات الاقتصادية الغربية الكبرى، وكانت مقرًّا مهمًّا للعمليات السياسية والاستخباراتية القذرة التي تمارسها الدوائر الصهيونية والغربية ضد الدول المختلفة، وخاصة الدول العربية والإسلامية والصين وروسيا وغيرها.
لقد نجحت إيران في قصف معظم القواعد العسكرية الأمريكية من العراق إلى سوريا إلى الأردن إلى الكويت إلى قطر إلى البحرين إلى الإمارات، ما أربك حسابات التحالف العسكري الصهيوني-الأمريكي.
لكن من أهم المخاطر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي إغلاق مضيق هرمز، بوابة الخليج العربي إلى العالم في مجال تصدير النفط والغاز، فقد نجحت القوات الإيرانية في السيطرة النارية التامة على المضيق وأغلقته في وجه السفن المرتبطة بالكيان وأمريكا، وسمحت فقط بمرور سفن الدول الصديقة وبموافقتها.
وكان نتيجة اضطراب المرور بالمضيق الفورية الارتفاع المطرد في أسعار النفط والغاز، وما يمثله ذلك من تهديد للاقتصاد العالمي، الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية على السحب من احتياطاتها الاستراتيجية، كما تراجعت الدول الغربية عن تنفيذ العقوبات المفروضة على شراء النفط الروسي، والسماح للدول المتضررة، وخاصة الهند، بشرائه دون قيود.
وبعيدًا عن أسباب ونتائج العدوان الأمريكي-الصهيوني على الجمهورية الإسلامية عسكريًّا وسياسيًّا، فإنها من جانب آخر تُظهر الأهمية الاقتصادية للوطن العربي بشكل خاص في إحداث التوازن الاقتصادي على المستوى العالمي، دون إغفال أن هذه الحرب تقع على رؤوسنا كعرب ومسلمين، وأن ساحتها الأساسية أراضينا وضحاياها أهلنا، ورغم سذاجة الحكام العرب وأبواقهم في الوقوف في صف العدو أو على الحياد في أقل تقدير، ودون أن ننسى أن من أهم أهدافها إقامة “إسرائيل الكبرى” على أرض العرب وليس الفرس، وإحكام قبضتها على مقدرات الأمة، نطرح السؤال عن حجم التأثير العربي في الاقتصاد العالمي، وعن قدرة العرب على لعب دور فعَّال في القرار السياسي الدولي لو استخدموا ما بين أيديهم من إمكانيات اقتصادية وموقع جغرافي يُعد الأكثر أهمية على المستوى العالمي؟
فالوطن العربي يقع تحت تصرفه عدة مضائق مهمة، “هرمز، وباب المندب، وجبل طارق”.
اضطراب حركة التجارة الدولية بسبب الإغلاق الجزئي لهرمز، كيف سيكون حجمه وتأثيره لو أُغلق أيضًا مضيق باب المندب، وهو لا يقل أهمية عن مضيق هرمز بل ربما يفوقه؟ ولو عُرقل المرور في مضيق جبل طارق؟
ذلك ممكن ومؤثر وحاسم لو كان للعرب كلمة حرة ومستقلة في التعامل مع هذه المضائق، فبالتأكيد سيكون وجودهم على مستوى السياسة الدولية مختلفًا كثيرًا.
المشكلة أن هذه الأمة، رغم الإمكانيات الضخمة وذلك الموقع الاستراتيجي المهم، هي من يخضع للإملاءات الأجنبية ويدفع الإتاوات ويقدم التنازلات دون مقابل، لأننا ابتُلينا بمنظومات حكم ضعيفة خائفة خانعة.
حروب الخليج التي تتكرر تقريبًا بنفس السيناريو منذ التسعينيات، عندما اعتدى الغرب على العراق ودمَّرها، ثم على أفغانستان ودمَّرها، والآن يعيد الكَرَّة مع إيران بعد أن حقق مكاسب من مؤامرة الربيع العربي، وأيًّا كانت نتائج هذه الجولة الثالثة المباشرة، فإنها بالتأكيد ستنتج حالة نهوض عربي وستفشل المشروع الصهيوني، فبعد عقود فرَّ الأمريكيون أذلاء من كابول، واليوم يواجهون مقاومة العراقيين الشجعان في بغداد، ولا شك أن حالة الوعي العربي والإسلامي وخلع رداء الخوف والجبن والتحلي بالشجاعة والتوجه إلى المقاومة الإيجابية، والتصدي للسيطرة الأمريكية الصهيونية على بعض أدوات الحكم في وطننا، كل ذلك سيحدث أمرًا جللًا وسيغير الحاضر والمستقبل.
