مقالات الرأي

لماذا العدوان على إيران؟وما تداعيات ذلك على الوطن العربي؟



فرج بشير عيواز
ما حدث في سوريا خلال السنوات الماضية، من تدمير الجيش العربي السوري وتدجين نظام الحكم فيها، قد فرض واقعًا جديدًا، أخل بموازين القوة في الشرق الأوسط.
وإن كان الهدف المعلن هو تحرير الشعب السوري من نظام الأسد والمليشيات الشيعية، فإن الهدف الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني هو فتح الطريق باتجاه إيران لتحقيق مجموعة من الأهداف تخدم استراتيجياتهما في المنطقة والعالم.
فإيران تتمتع بأهمية جيواستراتيجية، تتمثل في الموقع وثرواتها الطبيعية، ولهذا الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني يعملان على السيطرة عليها، فمنذ الثورة الإيرانية في 1979م وإيران تناصب أمريكا والعدو الصهيوني العداء العلني، وتدعم حركات المقاومة ضد العدو الصهيوني.
وقد أيقنت أمريكا والكيان الصهيوني أنْ لا حل في إيران إلا بتغيير نظام الحكم وتدجينه كما حدث في العراق وليبيا وسوريا وأخيرًا فنزويلا.
ويصنف العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران ضمن الحروب غير المتكافئة، وذلك لوجود هوة كبيرة بين طرفي الصراع، فالجيش الأمريكي الذي يعد أحد أقوى ثلاثة جيوش في العالم، وكذلك جيش العدو الصهيوني الذي يمثل أقوى جيش في المنطقة العربية، لا يمكن مقارنتهما بالقوات الإيرانية لا من حيث إمكانية الوصول ولا القوة التدميرية ولا تكنولوجيا المعلومات بالإضافة إلى أنهما دولتان نوويتان.
وفي هذا الصراع، يتبع كلا الطرفين استراتيجيات مغايرة لبعضهما، فبينما اختارت أمريكا والعدو الصهيوني استراتيجية الحرب الخاطفة، وراهنتا على ضربات مفاجئة ومركزة تستهدف مراكز القيادة السياسية والعسكرية، لتحقيق نتائج سريعة وحاسمة، ورطتهما إيران في حرب استنزاف طويلة المدى، تعتمد على البيئة الجغرافية وتماسك الجبهة الداخلية. ومن الواضح أن القيادة الأمريكية قد وقعت في فخ الغرور وعدم تقدير الموقف، فاعتمدت نفس خطة القضاء على نظام الحكم في فنزويلا بتاريخ 3/1/2026م والتي لم تتجاوز 60 دقيقة، مع تعديل طفيف، ففي عملية أسر الرئيس مادورو اقتضت الخطة دخول العش والقبض على الطائر حيًّا، بينما في إيران كانت الخطة تهدف إلى قتل الطائر وترك باقي المهمة لكلاب الصيد، دون الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الجغرافية والعقائدية بين البلدين.
ويفسر هذا العدوان من منظور جيوسياسي، وهو عجز أمريكا على مواجهة روسيا الاتحادية في أوكرانيا، وسعيها إلى الحفاظ على موقعها الاستراتيجي، وهيبتها في السياسة الدولية، فأمريكا تبحث عن نصر يعيد إليها تلك الهيبة ولو كان على حساب تدمير الدول وسلب إرادة الشعوب.
والهدف المعلن للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، هو منعها من امتلاك القنبلة النووية وتطوير الصواريخ البالستية وتقليص قوتها البحرية، وتحرير الشعب الإيراني، أما الأهداف الخفية التي تعد السبب الرئيس لهذا العدوان، فتتمثل في نقطتين الأولى: إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد بزعامة العدو الصهيوني.
والثانية: تموضع الولايات المتحدة الأمريكية، في مناطق حساسة تمس الأمن القومي الروسي والصيني.
وفي حالة نجاح هذا العدوان وتحقيق أهدافه، فإن النتائج المدمرة على العرب ستكون كالآتي:
يعتبر الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وتركيا ساقطين عسكريين أمام جيش العدو الصهيوني. ما يمهد لإقامة إسرائيل الكبرى، وواهم من يعتقد أن حدودها ستكون من النهر إلى النهر بل ستمتد على كامل الوطن العربي وربما أوسع من ذلك، تنفيذًا لشعار العدو الصهيوني “حيث تقف بندقيتي تكون حدود دولتنا”، وهذا سيتبعه إبادة الجنس العربي والقضاء على الإسلام وإعادة إفريقيا إلى ما قبل الفتح الإسلامي وشعارهم “العربي الجيد هو العربي الميت”.
القضاء على دولة الباكستان الإسلامية النووية، ومحاصرة الصين وتحجيم دورها الاقتصادي والعسكري.
وفي الختام نرى أن الجيش الإيراني يدير المعركة بثقة وشجاعة لم تعهدها الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، فتدمير قواعدها في دول الخليج العربي واستهداف قواتها البحرية يعد إنجازًا عسكريًّا للحرس الثوري، فهذه من وجهة نظر عسكرية تعد أهدافًا مشروعة وإن لم تشارك في العدوان فاحتمالية أن تكون مصدرًا للتهديد واردًا. وهذه الثقة مرجعها إلى عدة احتمالات، منها امتلاك إيران السلاح النووي أو دعم من حلفائها كالصين وروسيا الاتحادية وكوريا الشمالية.
بينما نجد أمريكا تتخبط في سياستها وتصريحات الرئيس ترامب متناقضة وغير منطقية، واستنجاده بحلف الناتو والأكراد دليل على فداحة الخسائر التي تعرض لها الجيشين الأمريكي والصهيوني، وأيضا صعوبة المهمة.
ومن نتائج هذا العدوان إذا فشل، التقليل من أهمية نظرية القوة البحرية (لألفريد ماهان)، التي تنص على السيطرة على البحار والممرات المائية، وكذلك دبلوماسية الأساطيل التي تنتهجها دول مثل أمريكا وفرنسا وغيرهما، ففي أية منطقة تتعرض مصالحهم للخطر يدفعان بقواتهم البحرية المدعومة بحاملات الطائرات، عملًا بمبدأ الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت “تحدث بلطف واحمل عصًا غليظة وسوف تصل بعيدًا”.

زر الذهاب إلى الأعلى