مقالات الرأي

نبض الذاكرة العتيقة


بقلم/ سعاد الجروشي


التراث ليس صفحةً مطويَّة من الماضي، بل ذاكرةٌ حيَّة تتنفس في وجدان الإنسان، وتمنح المكان هويته العميقة. هو الخيط الخفي الذي يشدُّنا إلى الجذور، كلما حاول الزمن أن يُجرِّدنا من ملامحنا الأولى.
يسكن التراث تفاصيل الحياة البسيطة، في الحكايات التي أدفأت الليالي، في الأغاني التي خرجت من تعب الأرض وفرحها، وفي الأمثال التي اختزلت حكمة الأجداد. وفي البيوت القديمة التي شُيِّدت على قياس الذاكرة، لا على مقاييس الخرائط، يتجلَّى المعنى الأصدق للانتماء.
وتتجلَّى روحه بوضوح في الأشغال اليدوية القديمة، حين حوَّل الإنسان سَعف النخيل إلى سلالٍ وحُصُر وأدوات للحياة اليومية. لم تكن تلك الأشياء مجرَّد أدوات، بل شواهد على علاقة احترام عميقة بين الإنسان والمكان، وعلى مهارةٍ توارثتها الأيدي جيلًا بعد جيل، فبقيت تحكي بساطة العيش وصدق الروح.
كما تنبض الذاكرة في حرفة الفخَّار، حين يُعانق الطينُ الماءَ، وتدور به يدُ الصانع حتى يصير جرّةً تحفظ برودة الآبار، أو قدرًا يحتضن نار الموقد. في كل قطعة فخَّار أثرُ كف صابرة، وفي كل انحناءةٍ سرُّ انتظارٍ طويل تحت شمس البلاد، حتى يشتدَّ العود ويصير الطين حكايةً صلبة لا تنكسر بسهولة.
وتحضر كذلك حرفة النسيج اليدوي، حيث تتشابك الخيوط على النول كما تتشابك الأيام في ذاكرة الناس. كانت المرأة تنسج سجَّادةً أو غطاءً، فتنسج معه دعاءها الصامت، وتغزل في ألوانه ملامح الأرض، زرقة السماء، وحمرة الرمل، وخضرة الواحات. لم يكن النسيج زينةً فحسب، بل دفئًا ومعنى، وامتدادًا لروح البيت في خيوطٍ لا تنقطع.
وحين تنقطع الصلة بالتراث، لا نفقد الماضي وحده، بل نُربك الحاضر ونترك الهوية معلَّقة. فالمكان بلا ذاكرة فراغ، والإنسان بلا جذور هشاشة. لذلك، فإن صون التراث ليس حنينًا ساكنًا، بل وعيٌ يُعيد للروح توازنها، وللمكان حقَّه في أن يُسمَّى وطنًا.
فالتراث.. هو الذاكرة حين تُنقذ المكان من النسيان، وهو نحنُ حين نبحث عن أنفسنا في زحمة العالم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى