مقالات الرأي

حماية الثروةمن أجل الأجيال

بقلم د. محمد جبريل

تبديدُ الدخل، واستنزافُ الاحتياطي، ونهبُ الاستثمارات، وتخريبُ المؤسسات الإنتاجية؛ مؤامرةٌ ممنهجةٌ لإفقار ليبيا واهلها.
قوةُ اي عملة تعتمد على الإنتاج والخدمات والسياسات. فبالإمكان إعادة الدينار لقيمته قبل 1986، أي 3.2 دولار للدينار، لكن العبث الحالي يُضعفه ويُضخِّم الدين العام، حتى لو تمت تسويته بضحكة فارق بيع العملة.
عام 1985 انهارت أسعار النفط بليلةٍ واحدة من 13 إلى 4 دولارات، مما حتَّم ترشيد إنفاق العملة الأجنبية. فقُسِّمت الميزانية الاستيرادية إلى ثلاث فئات:
سلع لا تُمس، كالتموين، والأدوية، والمواد الخام، والتعليم والتدريب، والسلع المعمرة، ومواد الصيانة، وإصحاح البيئة، والأسمدة، والبذور، والمبيدات.
سلع كمالية يُحظر استيرادها، كالعطور، والتشطيبات الفاخرة، والأثاث المكتبي، والملابس (باستثناء ملابس الأطفال).
سلع يخضع استيرادها للسلطة التقديرية للإدارة، كالأعلاف ومواد البناء.
فاجتزنا الأزمة بحكمةٍ وشجاعة؛ فلم يشعر المواطن بنقصٍ في السلع المدعومة الثماني، أو الأدوية، أو الكهرباء. وتحت شعار «تدوير نافورة النفط» قفز الاحتياطي من نصف مليار دولار عام 1984 إلى 370 مليار دولار، و180 طنًّا من الذهب.
اليوم يُنهب الدخل قبل أن يصل إلى المصرف المركزي، وما يصل منه يُبدَّد في اعتماداتٍ وهمية، وبعثاتٍ تَكِيَّة، أو تبتلعه الميزانية التسييرية.
الانهيار لن يتوقف إلا بأداة ردعٍ وطنية، تحافظ على حقوق الأجيال بثروة بلادهم، وتُنفِّذ تشريعات صون وتنمية المال العام، كالجرائم الاقتصادية، والإثراء بلا سبب، ومن أين لك هذا؟ وتجريد النهابين مما نهبوا واستعادته لأصحابه الحقيقيين، وتفعيل قانون التخطيط الذي يُلزم بتخصيص ما لا يقل عن 70 ٪ من دخل النفط في تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية، وخدماتٍ صحيةٍ وتعليمية، وبنيةٍ تحتية.
من واجب مجلس النواب إصدار تشريعاتٍ تحمي الاحتياطي والاستثمارات، وتُشدِّد الرقابة على الإنفاق، بما فيها تعديل عجز المادة 8 من القانون 1 لسنة 2024م فالأجدى إحالة الاختصاص إلى فرع الأداة بالمناطق المؤمَّنة، ومن واجبه تعزيز إرادة الليبيين بتضمين قانون الانتخاباتٍ نصوصا تبعد النهابين عن السلطة بأسلوبٍ مبتكر، كمنع كل من تولى وظيفةً عليا أو تحصل على اعتماداتٍ كبيرة من الترشح للانتخابات القادمة، لأن النهب ولَّد طبقيةً سياسيةً تتطلب تدخلاً تشريعيًا لصالح غير الأثرياء.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى