الاغتيالات السياسية وإشعال الفتن

محمد عبدالقادر
بادئ ذي بدء، نستطيع القول إن الاغتيالات السياسية شكل من أشكال إدارة الصراعات بين الدول وبين القوى داخل الدولة الواحدة، لتحقيق جملة من الأهداف المحددة مسبقًا. لإرباك المشهد السياسي فيها وإشعال الفتن وصناعة وتوجيه الأحداث لخدمة قضايا وأهداف من يخططون لها سواء من الداخل أم من الخارج.
لذلك نؤكد أن الاغتيالات ليست أحداثًا عابرةً أو مصادفاتٍ عفوية أو مجرد أعمال يقوم بها أفراد دافعهم الأحقاد الشخصية أو الأعمال الفردية المحضة، الناتجة عن ردودِ أفعال وانفعالات شخصية وذاتية فقط، بل في الغالب هي عمليات يُخطط لها بعناية ودقة وتُنفذ بنفس العناية والدقة، وأحد تقنياتها هو جعلها مفقودة الأثر وصعبة التتبع وتحدث لغزًا يؤدي دوره في الغموض المطلوب في مثل هذه الأعمال.
فالغموض مقصود به الإرباك وتضييع الأثر لقطع الوصول للفاعل ومن ثم تغييب الآمر، وكذلك إحداث الصدمة المطلوبة واستثمار نتائجها.
ويمكننا القول إن دافعها ليس هو التصفية الشخصية لتغييب جسد الشخص المعني بذاته، وإنما لخلق وتهيئة أحداث يكون الاغتيال شرارة الاشتعال لإحداث فتن لا تتوقف حتى تحقق الأهداف المرجو من ورائها هذا الفعل.
لكن هذا الحال يقتضي منا أن نحدد أن الاغتيالات السياسية أصبحت تنفذ كعمليات تقنية عالية الدقة، تخطيطًا وتنفيذًا وتحديد الزمن المناسب لتنفيذها بدقة ترافقه دعايات وادعاءات وإشاعات توجه المشهد السياسي لإحداث أفعال تنطلق من عقالها ولا تقف حتى تُحدث الآثار المطلوبة المخطط لها بعناية، وتكون تمامًا كأحجار الدومينو التي تقع بشكل متتالٍ بحيث تدفع الأحداث بالتتابع بشكل سريع وقوي لإحداث الأثر المطلوب الذي يخدم الأهداف المرصودة.
بداية ينبغي لنا أن نميز بين الاغتيال السياسي والقتل العادي، فالأول يرتكز في تحليله على علم النفس السياسي، بينما الثاني يحدد دوافعه علم النفس الجنائي، فالاغتيال السياسي يمكن اعتباره “عملية جراحية سيكولوجية” تستهدف العقل الجمعي للشعب.
بمعنى أوضح ليس المستهدف في الاغتيال السياسي قتل جسد الشخصية المستهدفة بقدر الاهتمام بـصناعة “رد الفعل” الذي سيعقب موته وكيفية استثماره.
ويأتي هنا دور علم النفس السياسي في تحليل عمليات الاغتيال الساسي لفهم كيفية توظيفه لصالح الأطراف التي قامت به أو تم لمصلحتها، يدفعها لذلك جملة من الاستراتيجيات المبتغى تحقيقها وفق رؤية علم النفس السياسي، منها استراتيجية “الصدمة والترويع”، المستخدمة لإحداث حالة من “العجز المكتسب” لدى الشعب. فعندما يُغتال قائد يمثل الأمل أو القوة لمؤيديه، يُشعِرهم بأن “القوة الغاشمة” هي الحقيقة الوحيدة، وأن التغيير مستحيل وفق إرادة المؤيدين أو جل الشعب.
أما ما يراد من أثر فهو تحويل المجتمع من حالة الفعل والمقاومة إلى حالة الاستسلام أو الرعب أو فقدان الأمل في التغيير وإحداث حالة من الشلل التام، ما يسهل فرض تنفيذ الأجندات السياسية التي كانت مرفوضة سابقًا.
ويأتي من ضمن المقاصد صناعة “الفوضى الخلاقة” لإحداث ما يمكن أن نطلق عليه كسر التوازن الاجتماعي. فتندلع صراعات داخلية في البلاد يمكن وصفها بالعنيفة على السلطة خدمة للطرف المستفيد الخارجي ومن يعاونه من الداخل. وهذا ما يهيئ للمستفيد أن يقوم بدور “المخلص” أو “الوسيط” بالتدخل المباشر، بينما هو في الحقيقة المحرك لخيوط اللعبة من أساسها، مستغلًا حالة التشتت الذهني والسياسي للخصوم والإحساس بالعجز بتغييب العقل السياسي. ولأجل هذا يتم تصميم عملية الاغتيال بحيث تُوجه أصابع الاتهام إلى خصم داخلي معين.
وكما هو معروف يميل التحليل النفسي إلى أن البشر يميلون في لحظات الخطر إلى “التفكير القبلي” أو الجمعي، فيتم استغلال هذا الميل لشحن طائفة ضد طائفة أو حزب ضد حزب وهكذا.
أما الهدف فهو تدمير النسيج الوطني من الداخل لكيلا تقوم للدولة قائمة من بعد، وتنشغل المكونات ببعضها البعض بدلًا من مواجهة العدو الحقيقي المتخفي خلف سحب الدخان الناتج عن فوضى الاغتيال.
ومن ضمن ما يوفر علم النفس السياسي هو دراسة كيفية “اغتيال الشخصية” معنويًّا بعد اغتيالها جسديًّا، أو العكس (تحويلها إلى رمز ينال الطهر والقداسة بمعنى ما) حسب مصلحة الطرف المخطط، فخيار التشويه ينفذ بتقنية نشر نصوص وإشاعات بعد الاغتيال توحي بأن القتيل كان “خائنًا” أو “مرتبطًا بأجندات” أو له مقاصد مضرة بالوطن، لكسر الرمزية وجعل الشعب يشعر بالخزي من اتباعه أو ما يمكن أن نسميه “التلاعب بالذاكرة الجمعية” أما إنتاج خيار التقديس الزائف فهو دفع الشعب لتبني نهج “متطرف” باسم الشخصية المغتالة، لجرِّ الدولة إلى مواجهة انتحارية تخدم مصالح دولية.
هنا نؤكد أن الدول التي تغتال خصومها تراهن دائمًا على أن البديل سيكون “أضعف” أو “أكثر قابلية للابتزاز”.
البديل المحتمل كشخصية سياسية لشخصية المغتال يمكن توصيفه سيكولوجيًّا بأنه يعاني “عقدة النقص” إذا ما قارناه بسلفه المغتال، ما يجعله يحتمي بقوى خارجية لتثبيت حكمه، وهنا يكتمل هدف الاغتيال السياسي.
يظل من ضمن أهم أهداف الاغتيال كسر إرادة الشعب باغتيال الرمز الملهم لتحقيق الخنوع السياسي للشعب وتفكيك الجبهة الداخلية وفتح بؤر الصراع على أشده من اتهام طرف داخلي وإضرام نار حرب أهلية لا تنطفئ أو إحداث انقسام مجتمعي وإعادة التوجيه بصناعة بديل ضعيف يعزز التبعية المطلقة للدول الكبرى. فعملية الإنهاك النفسي بتنفيذ سلسلة اغتيالات متتالية تجعل الشعب يحجم عن الثقة في القيادات وفي العمل السياسي نفسه فيقع ما يمكن وصفه بالعجز السياسي والنفور والاستسلام التام واللجوء لليأس كبديل نهائي والتسليم بسيطرة ونفوذ القوى الكبرى لتحصد نتائج هذه العمليات بهدوء وبقوة وبنجاح تام.
الخلاصة أن الاغتيال في علم النفس السياسي هو “رسالة مشفرة” مرسلة من القاتل إلى الأحياء، مفادها: “لا أحد آمن، وقواعد اللعبة قد تغيرت”. هل يمكن إدارة هذه الرسالة نصيًّا ونفسيًّا، إذا توفرت هذه الإدارة والإرادة يمكنها أن تقرر ما إذا كانت الدولة ستنجو أم ستغرق في فتن لا تنتهي. “إما المصالحة، وإما المصالحة، وإما المصالحة وإما الضياع، وإما الضياع، وإما الضياااااااع”.
