روح التشريع أم حرفيته؟ إشكالية تفسير المادة (68) من قانون علاقات العمل

غادة الصيد
ليست قيمة النص القانوني في كلماته بقدر ما هي في مقاصده، ولا تقاس عدالته بصرامة عباراته، بل بقدرته على تحقيق الغاية التي شرع من أجلها.
وفي ميدان علاقات العمل، حيث يلتقي رأس المال بالجهد الإنساني، وحيث تتباين مراكز الأطراف من حيث القوة الاقتصادية والاجتماعية، يصبح التفسير القانوني أداة لتحقيق التوازن، لا مجرد عملية لغوية جامدة. ومن هذا المنطلق، تطرح المادة (68) من قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010، إشكالية جوهرية تتجاوز حدود الصياغة، لتلامس سؤالًا أعمق: هل يكثف بحرفية النص عند التطبيق، أم ينبغي استحضار روح التشريع ومقصده الحمائي الذي أراده المشرع
لصالح العامل؟
فالمادة (68) من قانون علاقات العمل السابق الإشارة إليه تعد أداة حماية متقدمة للعمل، حيث نصت على: (ويعتبر باطلًا كل شرط يرد في عقود العمل بالمخالفة لأحكام هذا القانون ولو كان العامل قبِل به، مالم يكن أكثر فائدة للعامل).
نلاحظ أن الجزء الأول من النص يحمي الحد الأدنى من الحقوق التي قررها القانون، بالتالي لا يجوز التنازل عنها أو تقلصيها، أما الاستثناء فوارد في جملة (مالم يكن أكثر فائدة للعامل)، فهذا الاستثناء يشكل المبدأ الذهبي الذي يفتح الباب واسعًا أمام جهات العمل لمنح مزايا إضافية تفوق الحد الأدنى، مثل إجازات مرافقة مدفوعة ممتدة، أو تغطية طبية أوسع، أو حوافز أعلى، دون أن تكون هذه المزايا مخالفة للقانون.
فالقانون هنا لا يقيد أصحاب العمل، ولكنه يشجعهم على الإبداع في تحسين بيئة العمل، ما يجذب الكفاءات ويعزز الولاء. وعليه فإن هذه القراءة لا تسعى إلى تجاوز النص أو الالتفاف عليه، بل إلى تفعيله في إطاره الصحيح، بحيث يفهم في سياقه ويطبق بما يحقق غايته ويظل وفيًّا لفلسفته القائمة على حماية العامل وصون استقرار علاقة العمل.
