مقالات الرأي

لاهوت السياسة


محمد علوش
أثارت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، خلال مقابلة أجراها مع الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، موجة غضب واسعة في الأوساط العربية والإسلامية، ترجمت ببيان مشترك صدر عن سبع عشرة دولة ومنظمة، غير أن أهمية الحدث لا تكمن في ردود الفعل الدبلوماسية فحسب، بل في طبيعة الخطاب الذي انكشف، والخلفية الفكرية – اللاهوتية التي يستند إليها.
المقابلة ذاتها كانت حافلة بالمفارقات؛ إذ بادر هاكابي إلى طلب إجرائها عقب حلقة صوّرها كارلسون في الأردن حول المسيحية في الأراضي المقدسة، ثم انتهت بواقعة احتجاز منتج البرنامج من قبل الأمن الإسرائيلي وإخضاعه للتحقيق، في مشهد رمزي يختزل التوتر البنيوي بين خطاب “التحالف الاستراتيجي” وممارسات القوة على الأرض، وهنا تتقاطع الرمزية السياسية مع الدلالة اللاهوتية، ويتحوَّل الإعلام إلى ساحة لإعادة إنتاج السرديات الكبرى.
توزعت التداعيات في اتجاهين متوازيين: الأول عربي – إسلامي رسمي وشعبي، عبَّر عن رفض قاطع لمنطق يضفي قداسة على مشروع استيطاني توسعي؛ والثاني أمريكي داخلي، ضمن التيارات المحافظة، ولا سيما في أوساط “ماغا” المؤيدة للرئيس دونالد ترامب، ففي هذا السياق، يتجاذب المشهد تياران: أحدهما ينظر إلى إسرائيل من زاوية المصلحة القومية الأمريكية بوصفها حليفًا استراتيجيًّا؛ والآخر يرفعها إلى مرتبة العقيدة، باعتبارها تجسيدًا لنبوءات توراتية، وهو التيار الذي يعبِّر عنه هاكابي بوضوح ضمن ما يعرف بالصهيونية المسيحية الإنجيلية.
ويمثل كارلسون، إلى جانب شخصيات محافظة مثل ستيف بانون، اتجاهًا صاعدًا يسعى إلى إعادة تعريف القيادة الأمريكية بروح يمينية قومية ذات مرجعية مسيحية بيضاء بروتستانتية، أما التيار الإنجيلي الصهيوني، الذي يقدَّر عدد أتباعه بعشرات الملايين في الولايات المتحدة، فيتعامل مع إسرائيل بوصفها جزءًا من سردية خلاصية تتجاوز السياسة إلى تخوم العقيدة، ومن هذا المنظور، يمكن فهم تعيين هاكابي سفيرًا باعتباره تجسيدًا لتحالف سياسي – لاهوتي داخل الإدارة الأمريكية.
الجزء الأكثر إثارة للجدل في المقابلة تمثل في النقاش حول “الحق” في الأرض وفق قراءة حرفية للعهد القديم، فالسؤال الذي طرحه كارلسون عمَّا إذا كان من المقبول أن “تستولي إسرائيل على كامل الشرق الأوسط” لم يقابل برفض قاطع، بل بإجابات ملتبسة كشفت عمق المأزق: تبرير ضمني لفكرة التوسع، مقرون بإنكار نية تطبيقه عمليًّا، وهذا التناقض بين الإقرار النظري والنفي السياسي يفضح جوهر الإشكال؛ إذ يجري الانتقال من خطاب ديني مطلق إلى تبرير سياسي نسبي، من دون الاعتراف بالفجوة الأخلاقية والقانونية الفاصلة بينهما.
إن تحويل النص الديني إلى مرجعية جيوسياسية يقوِّض أسس النظام الدولي القائم على السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فعندما تختزل الحدود في تأويل إيماني، لا في قواعد القانون الدولي، يتحوَّل الصراع إلى نزاع وجودي مفتوح، وحين يقدَّم مفهوم “الحماية” بوصفه مسوغًا لتكريس واقع الاحتلال القائم “على الأقل”، فإن عبارة “على الأقل” تكشف ما تضمره أكثر مما تبرِّره، فهي إقرار ضمني بأن الحد الأدنى المقبول اليوم قد يتحول غدًا إلى سقف أعلى للمطالبة.
التفريق الذي حاول هاكابي إقامته بين إسرائيل “التي لا تسعى إلى السيطرة على الأردن أو سوريا أو العراق” وبين حقها في الاحتفاظ بالأراضي التي تحتلها حاليًا، ليس سوى إعادة صياغة للمنطق ذاته بلغة أكثر حذرًا، فالاحتلال، حين يُقدَّم بوصفه حقًّا قانونيًّا أو ملاذًا آمنًا، ينتقل من كونه واقعة سياسية قابلة للنقد والمساءلة إلى قدر شبه مقدَّس محصَّن ضد الاعتراض.
ما تكشفه هذه الواقعة ليس زلة دبلوماسية عابرة، بل انكشاف عميق لطبيعة التداخل بين لاهوت توراتي ويمين قومي أمريكي يرى في القوة أداة لتحقيق سرديته التاريخية، وفي المقابل، فإن الرد العربي – الإسلامي، على أهميته، يظل قاصرًا ما لم يرتق إلى مستوى بلورة خطاب فكري وسياسي مضاد، يعيد الاعتبار إلى القانون الدولي وإلى الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بعيدًا عن منطق الأسطرة أو توظيف المقدس في خدمة السياسة.
إنها، في جوهرها، معركة على تعريف الشرعية ذاتها: هل تستمد من نصوص مؤوَّلة خارج سياقها التاريخي، أم من قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة وحقوق الشعوب؟ بين لاهوت يسيِّس السياسة، وسياسة تبحث عن غطاء لاهوتي، يبقى الحق الفلسطيني معيار الاختبار الأخلاقي والسياسي للنظام الدولي المعاصر

زر الذهاب إلى الأعلى