الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 30

مهدي امبيرش
قاربنا أن نتوقف مؤقتًا عن تمظهرات اللاهوت لنعود إليه في سلسلة مقالات جديدة حول اللاهوت وطقس التطهير في الخرافات والأساطير والفكر الفلسفي، في هذه المداخلة نؤكد أن اللاهوت تحول إلى منهج في التفكير، فقد كان في بدايته تصور الكون ثنائيةً تؤكد على الصراع بين ضدين، كما رأينا في الخرافات الهندية والإيرانية الفارسية التي انتقلت بعد ذلك إلى بلاد الإغريق في مدارسهم اليونانية والسفسطائية والمقدونية، والتي تمحورت حول مدرستين شهيرتين هما المدرسة الأيّونية التي نشأت في مستعمرات الإغريق في آسيا الصغرى والتي كانت بداية ما يعرف اليوم بالمدرسة الطبيعية والوضعية المنطقية والتجريبية والتي كانت لها ولا تزال تمظهراتها في اللغة والحركة والتغير، بداهةً أن تكون هذه المدرسة الطبيعية تقول بانتصار الطبيعة والانتصار للفعل والحركة ثم تتحول الواحدية الطبيعية فيها منذ طاليس في القول بأن العالم وجد من طبيعة واحدة كالماء عنده أو الهواء عند انكسيمانس إلى النار عند هيراقليطس الذي قال بالتغير والصيرورة، ومقالته المعروفة إنك لن تدخل النهر مرتين، ثم نجد تفسير التغير من خلال ثنائية تعاقب الأيروس والثاناتوس، عند آخر السفسطائيين المدعو أنباذوقليس، إلى نزعة تجريدية في القول إن العالم كله أعداد، كما ذهب إلى ذلك فيثاغورس، الذي تحوّل إلى حركة باطنية عدمية متأثرة بالشامانية الهندية، وهذه المرحلة الأخيرة للمدرسة الطبيعية والخطاب السفسطائي (الكلامي).
هنا يمكن القول إن هذه المدرسة كما في المدرسة الطبيعية في الوضعية الفرنسية منذ القرن السابع عشر الميلادي، فمصطلح الفيزيقا هو من أصل إغريقي حيث الفسيس هي الفيزيقا، وهو الذي دفعنا إلى القول إن العالم وخاصةً الإغريقي الروماني الوثني وأوروبا المتنصرة يؤكد عندهم أن الفكر اليوم لم يخرج عندهم عن الميراث الهلّينيسي والسفسطائي، فإذا انتقلنا إلى سقراط وأفلاطون فإننا نقرأ بوضوح، الاختلاف في منهج التفكير والثقافة بين المدرسة الطبيعية والمفكرين الطبيعيين، حيث الزراعة والإنتاج والاهتمام بفصول الزراعة والحصاد والمواسم والدورات الزمنية، أما ثقافة سقراط وأفلاطون فقد كانت ثقافة المدن ومنهج التفكير الساكن والنزعة الأرستوقراطية الاستعلائية والاستهلاكية كذلك والتقسيم الطبقي للسكان كما رأيناها في جمهورية أفلاطون وكتابه في القوانين وانتصاره للمدرسة الإيلية والسكون، ومن حيث اللاهوت فإن أفلاطون وأستاذه سقراط ينتصران للسماء والمعرفة القبلية والتجريد، حيث كان أفلاطون قد وقع تحت تأثير فيثاغورس والاعتقاد في لغة الأعداد المجردة، ومن ثم يقف معارضًا للنزعة الطبيعية، والانتصار للسماء مقابل الأرض، كما نجد أن أفلاطون يمثل النزعة الارتكاسية والحلم بالعودة إلى السماء تحت اعتقاد أن النفوس كانت في السماء وأنها سقطت إلى الأرض، ومن ثم فإنها لابد أن تسعى إلى الخلاص من المادة والجسد.
لقد ذكرنا في مداخلات فائتة أن أفلاطون قدم أمثولة الكهف، وانتصر للمحاكاة وابتدع جدل الصعود إلى السماء والهبوط إلى الأرض، وأن الذين لهم القدرة على الصعود ليس كل الناس، بل الذين هم من معدن الذهب، وبعبارة أخرى من الأرستوقراطيين في مقابل الدهماء أو الديموس، ومن ثَم نقرأ مدى كراهية أفلاطون للديموقراطية، حيث الديموقراطية هي سلطة الدهماء الذين تمكنوا من السيطرة على أثينا ونجحوا في الحكم على سقراط بالإعدام، وهذا الإحباط إضافة إلى نتائج حرب البلوبونيز وهزيمة أثينا أمام إسبرطة إلى تحول أفلاطون إلى صوفي عدمي، وقد رأينا كيف تحولت الأفلاطونية إلى صوفية عدمية تحت مسمى الأفلاطونية الجديدة، كما اضطرَّ أفلاطون إلى الهروب من أثينا والاتجاه إلى جنوب إيطاليا، حيث التقى هناك بالفيثاغورسيين، واكد أن يباع عبدًا هناك لاتهامه بالتآمر في سراكوزة على الحاكم ديون، حيث عرض للبيع عبدًا في سوق الرقيق لولا أن اشتراه ليبي من قورينا وحرره وعاد إلى أثينا ليؤسس مدرسة الأكاديمية خارج أثينا في حديقة البطل الفينيقي قدموس.
هنا نقرأ لاهوت الصراع ضمن ثنائية السماء والأرض أو المقدس والمدنس أو الحاكم والمحكوم، على أن هذا التصور اللاهوتي يذكرنا ببداية الخرافة الإغريقية التي أوجدت هرمس الوسيط بين الإله المفارق في السماء والناس والذي كان يتكلم رمزًا حيث مهمة هرمس تحويل هذه اللغة الرمزية إلى لغة خطاب يومي.
من ثَم نقرأ مهمة أرسطو قريبة من مهمة هرمس حيث يمثل أرسطو الوسط بين السفسطائيين وسقراط وأفلاطون، من حيث إنزاله المُثَل العليا المفارقة في السماء إلى الصور على الأرض، وبدل المعراج الرأسي إلى السماء للوصول إلى المطلق أو السعادة جعل أرسطو الحركة أفقية، ليس للحصول على المطلق أو السعادة بل ليصير الإنسان سعيدًا في كل مرة، وأن العالم الذي نعيشه هو عالم الصور، فلا غروَ أن يقول أرسطو بهذا وأن يقدم الأرغانون أطروحةً في المعرفة، وأن القضايا المعرفية هي قضايا منطقية، ويعد أرسطو أبا القانون الوضعي السائد اليوم، كما أنه المؤسس للمدرسة الوضعية في فرنسا التي حاول ديكارت أن يعيد أرغانون أرسطو ضمن نظرية المعرفة إلى الذي سماه الأرغانون الجديد وأن يجعل مشروع المعرفة مشروع الأنا الموجودة العارفة.
