مقالات الرأي

ضرائب جديدة وأزمة بلا نهاية


عثمان الدعيكي
أعاد قرار مصرف ليبيا المركزي البدء في تطبيق ضرائب جديدة على عدد واسع من السلع المستوردة الجدل مجددًا حول السياسات المالية التي تُتخذ تحت ضغط الانهيار المتسارع في قيمة الدينار، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. هذا القرار الذي جاء تنفيذًا لما قيل إنه قرار صادر عن البرلمان، لم يكن مجرد إجراء مالي عابر، بل فجَّر موجة رفض سياسي وشعبي، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًّا: هل أصبح المواطن الحلقة الأضعف التي تتحمل دومًا كلفة إخفاقات الحكومات المتعاقبة في إدارة الاقتصاد؟
الضرائب الجديدة، التي تراوحت نسبها بين 7% و40%، شملت سلعًا تمس الحياة اليومية للمواطنين، من المواد الغذائية ومنتجات التنظيف وقطع غيار السيارات، إلى مواد البناء والملابس والأجهزة المنزلية والإلكترونية، فضلًا عن التبغ والسيارات. وفي بلد يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد لتلبية احتياجاته الاستهلاكية، فإن أي زيادة في تكلفة السلع المستوردة تنعكس فورًا على الأسعار في الأسواق، ما يعني تحميل المستهلك النهائي عبئًا إضافيًّا في وقت يعاني فيه أصلًا من تآكل القدرة الشرائية.
اللافت في هذا المشهد أن القرار لم يحظَ بإجماع سياسي. فقد أعلنت حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس رفضها لهذه الإجراءات، محذرة من أنها ستُربك السوق وتعمِّق حالة عدم اليقين الاقتصادي، في حين لم تعلق الحكومة الليبية في بنغازي على هذا القرار، وفي المقابل، خرج 107 نواب ببيان يؤكدون فيه عدم قانونية الضرائب الجديدة والإجراءات المنسوبة إلى المصرف المركزي، مشددين على أن البرلمان لم يصدر أي قرار صحيح أو نافذ بفرض أعباء مالية جديدة.
هذا الانقسام بين المؤسسات يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف على إجراء مالي. إنه يكشف عن خلل بنيوي في منظومة صنع القرار الاقتصادي، وغياب التنسيق، بل وغياب وضوح المرجعية القانونية في قضايا تمس لقمة عيش المواطنين. وفي ظل هذا الارتباك، يبقى المواطن هو المتضرر الأول، إذ يدفع ثمن قرارات لا يملك التأثير عليها، ويتحمل تبعات صراعات سياسية لا يد له فيها.
ويتوقع خبراء اقتصاديون أن إقرار الضرائب الجديدة سيؤدي إلى تضخم إضافي في الكتلة النقدية دون وجود غطاء إنتاجي أو احتياطي أجنبي كافٍ، ما يفاقم الضغوط على سعر الصرف.
منذ سنوات، تعاني ليبيا من اختلالات مالية وهيكلية واضحة: تضخم في الإنفاق العام، ضعف في الإيرادات غير النفطية، اعتماد مفرط على مورد واحد، توسع في الكتلة النقدية، وغياب سياسات تنموية حقيقية تحفز الإنتاج المحلي. بدلًا من معالجة هذه الاختلالات عبر إصلاحات جذرية تبدأ بترشيد الإنفاق، ومكافحة الفساد، وتفعيل الأجهزة الرقابية، وإعادة هيكلة الدعم، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، يبدو أن الخيار الأسهل كان دائمًا اللجوء إلى جيب المواطن.
إن فرض ضرائب على السلع المستوردة في اقتصاد ريعي غير منتج لا يُعد إصلاحًا هيكليًّا، بل إجراءً ماليًّا قصير الأجل، قد يوفر إيرادات آنية، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. فالمعضلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية اقتصادية شاملة، وفي استمرار الفوضى الإدارية وتعدد مراكز القرار، بل وفي اهتزاز ثقة المواطنين بالمؤسسات الرقابية والقضائية، خاصة في ظل ما يشهده المجلس الأعلى للقضاء من انقسام حاد ينعكس سلبًا على صورة الدولة وهيبتها.
تراجع قيمة الدينار إلى مستويات قياسية، حيث تجاوز سعر الدولار 11 دينارًا لأول مرة في تاريخه، هذا الانهيار ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل مؤشر على عمق الأزمة وفقدان أدوات السيطرة. وعندما تتآكل العملة الوطنية، تتآكل معها مدخرات المواطنين ورواتبهم، وتزداد كلفة المعيشة، وتتسع دائرة الفقر. في مثل هذه الظروف، يصبح أي قرار يزيد الأسعار بمثابة ضغط إضافي على شريحة واسعة من المجتمع، خصوصًا ذوي الدخل المحدود.
إن استمرار الحكومات في معالجة إخفاقاتها عبر تحميل المواطن أعباء جديدة يعكس غياب العدالة في توزيع التضحيات. فبدل أن تبدأ الإصلاحات من أعلى هرم السلطة، عبر مراجعة الإنفاق العام، وضبط الامتيازات، ومحاسبة المتورطين في الفساد، يتم الاتجاه مباشرة إلى فرض رسوم وضرائب تمس المواطنين بلا تمييز، بغض النظر عن قدراتهم المالية.
لا يمكن لأي سياسة مالية أن تنجح في بيئة يغيب عنها الاستقرار المؤسسي، وتغيب فيها الشفافية والمساءلة. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، عبر قرارات واضحة تستند إلى قانون سليم، وتُتخذ في إطار مؤسسي مكتمل النصاب، وتُشرح للرأي العام بشفافية. كما يتطلب الأمر خطة اقتصادية متكاملة تعالج جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى سيظل المواطن الليبي يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها؟ إن إنقاذ الاقتصاد لا يكون بتحميل الكادحين أعباء إضافية، بل بإصلاح جذري يعيد للدولة هيبتها ولمؤسساتها فاعليتها، ويضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات، لا في ذيل قائمة الحلول السهلة.

زر الذهاب إلى الأعلى