في الحل الوطني ثانية

بقلم د. مصطفى الزائدي
سياسة إدارة الأزمة التي تمارسها الدول الوصية على ليبيا مباشرةً وعبر بعثة الأمم المتحدة للدعم نجحت في زرع حالة من الوهم بين الليبيين بضرورة انتظار حل خارجي يعتمده مجلس الأمن ينهي معاناتهم الاقتصادية، ويضع حدًّا لانقساماتهم السياسية، ويفتح الطريق أمام مصالحة مجتمعية لتهيئة المناخ لإطلاق عمل جاد ووضع خطة شاملة لإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية تترسخ فيها المساواة والعدالة الاجتماعية، وتفسح المجال لتنمية مستدامة توفر الرفاه والازدهار. لكن مع الأيام تبددت حالة الوهم تلك، ووجد الناس أنهم أمام طريق مسدود. فالأزمة الاقتصادية تتفاقم بشكل مريع، وبهذا الانهيار الدراماتيكي لسعر الدينار يفقد المواطنون خلال أيام قيمة مدخراتهم إلى أكثر من النصف من العملة الليبية، بسبب الارتفاع المطرد لأسعار الدولار أمام الدينار، وبنفس القدر ترتفع أسعار السلع والخدمات في ظل عدم توفر سيولة كافية، والفرق الربوي بين الكاش والصكوك المصرفية، الأمر الذي يفقد المواطنين القدرة على توفير متطلبات الحياة من أكل وشراب وأشياء ضرورية. وفي نفس الوقت تتراكم ثروات هائلة لدى فئة قليلة ناتجة عن أنشطة غير مشروعة، سواء بالسرقة الصريحة من المصرف المركزي باعتمادات وهمية، والتهريب، وتجارة المخدرات، والاتجار بالمهاجرين، في وقت توقفت عجلة الإنتاج كليًّا.
وفي الجانب السياسي يتعمق الانقسام بين الليبيين، وتتصاعد دعوات تفتيت البلد الواحد بذريعة شتى من كثيرين، ربما يتوهم بعضهم بأن ذلك قد يكون وسيلة خلاص من المعاناة التي يمر بها الوطن. ومن جانب آخر تحولت فكرة المصالحة الوطنية إلى مجرد شعارات وخطابات جوفاء ومؤتمرات وتقارير دون مضمون، بل على العكس توسع الشرخ بين الليبيين، وتستمر حالة الإقصاء والقمع والتصفيات دون حدود.
أكذوبة الحل السياسي من خلال توافقات أشرفت عليها بعثة الأمم المتحدة بتقاسم السلطة بين الأطراف الفبرايرية المسيطرة فشلت في تحقيق أي شيء، بل أسهمت في تفاقم الأزمة وتعقدها من خلال مؤسسات حكومية صورية قامت على محاصصة بلا معنى، ونجحت فقط في نهب الموارد وتبذيرها.
أما الحل الحقيقي بتمكين الليبيين من تقرير مصيرهم عن طريق إجراء انتخابات تمكنهم من اختيار سلطات تشريعية وتنفيذية، فقد صار بعيد المنال. لقد مرت خمس سنوات كاملة على إلغاء الانتخابات قبل ساعات من التصويت عام 2021، ولا يتصور أكثر المراقبين تفاؤلًا أن تُجرى أي انتخابات قبل عام 2030. والسبب أن الوضع الحالي في ليبيا مناسب جدًّا للدول الوصية على ليبيا، التي نجحت في إسقاط نظامها الوطني لتتمكن من فرض هيمنتها عبر أدوات ضعيفة مشتتة ومقسمة، كل يبحث عن بقائه من خلالها، وتدعمها في نهب ما تستطيع من ثروات الليبيين ومقدراتهم.
وهنا يُطرح السؤال: إلى متى ينتظر الليبيون حلًّا من أولئك الذين خلقوا المشكلة ويديرونها ويرعونها سياسيًّا وعسكريًّا؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الانطلاق من معطيين: الأول نجاح الماكينة الدعائية الغربية في الترويج لحالة الوهم، وتمكنها من شراء ذمم بعض النخب الليبية الطامعة الطامحة التي لا هم لها إلا الاستحواذ على السلطة ونهب الأموال. المعطى الثاني هو حالة الوعي الشعبي المتزايدة لطبيعة المؤامرة ومخاطر نتائجها على وجود ليبيا كدولة واحدة والشعب الليبي كسكان فيها. يقابل ذلك تشتت في تفكير النخب الوطنية وانقسامها وتشرذمها، الأمر الذي منع إنتاج قيادة وطنية جماعية تعمل بأسلوب ديمقراطي تقود معركة واسعة لاستعادة الدولة وكسر المؤامرة، وركون البعض لانتظار المجهول والركون إلى الفرد الخارق الذي يصنع المعجزات. ذلك لا يمنع من الاعتراف بجهود كبيرة بُذلت خلال السنوات الماضية من عديد الأطراف المدنية والعسكرية في محاولات جادة لمحاربة الإرهاب وفضح المؤامرة والمساعدة في تنمية الوعي الشعبي، رغم شراسة الحملة الدعائية التي تُروَّج لها وإمكاناتها المالية. لكن تلك الجهود ظلت جزئية، واضطرت إلى خوض معركة غير متكافئة من حيث الإمكانات مع أدوات المؤامرة الداخلية والخارجية.
للأسف الشديد ضاعت فرص كثيرة كان يمكن أن ينجح الليبيون خلالها في استعادة زمام المبادرة بتضحيات قليلة، لكن مع إطالة الأزمة وتعقدها، وتمكن المجموعات المسيطرة من فرض سيطرتها بوسائل عديدة، فإن فرض الحل الوطني سيحتاج إلى دفع أثمان باهظة.
على النخب الوطنية أن تعيد ترتيب الأولويات وأن تتجاوز ترتيبات الأعداء باستدامة الصراع حول الماضي والاختلاف حول الشكليات وتنشغل بذلك على أهمية الإسراع في وضع خطة عملية لانتزاع المبادرة وإدارة الصراع لمصلحة الوطن.
يمكنني القول إن أهم معوقات صياغة مشروع إنقاذ وطني والالتفاف حوله هو حالات الطمع لدى بعض من الذين يحاولون استخدام المشروع الوطني للتصدر والوصول إلى السلطة، ورغم صعوبة اكتشاف أولئك وكف أيديهم عن العبث بالمشروع، فإن الوسيلة الوحيدة للنجاح هي تشكيل قيادة وطنية جماعية تعمل بقلب جماعي وبآليات ديمقراطية وتمنع عن أعضائها أي مزايا في السلطة التي ينبغي أن تعود إلى الشعب.
