مقالات الرأي

الإعلام المشيطن


محمد بوخروبة


في لحظات الأزمات الكبرى، لا يبقى الإعلام مجرد ناقل للأخبار أو شاهد على الوقائع، بل قد يتحول في بعض تجلياته إلى فاعل رئيسي في صياغة الحدث نفسه، وفي إعادة تشكيل وعي الجماهير تجاهه، هناك نوع من الخطاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعمل على هندسة الإدراك عبر صناعة صورة للعدو، وتجريد الخصم من إنسانيته، واختزاله في هيئة وحش كاسر لا يحاور، بل يستأصل، ذلك هو الإعلام المشيطن، إعلام يضخ الخوف ويقنن الكراهية ويمهد الطريق نفسيًّا وأخلاقيًّا لكل إجراء لاحق مهما بلغ من قسوة.
ليست الشيطنة الإعلامية مجرد مبالغة في الوصف أو انحياز في التغطية، بل هي عملية متكاملة الأركان، تبدأ بتضخيم الخلاف، ثم إعادة تأطيره أخلاقيًّا، بحيث يصبح صراعًا بين خير مطلق وشر مطلق، وتنتهي بإقناع الجمهور بالتدريج، أن إقصاء الطرف الآخر أو سحقه ليس جريمة، بل ضرورة لحماية الوطن أو إنقاذ المستقبل، وهنا يكمن الخطر، إذ يعاد تعريف القيم نفسها ويعاد توزيع الشرعية على أساس الانفعال لا على أساس القانون.
عندما اندلعت الاحتجاجات في عدد من الدول العربية عام 2011، فيما عرف لاحقًا بـالربيع العربي، لم تكن الساحات وحدها هي التي تغلي، كانت الشاشات كذلك مسارح مفتوحة للمعارك الرمزية، في تونس انطلقت الشرارة، وفي مصر وليبيا واليمن وسوريا تمددت الموجة بأشكال وسياقات مختلفة، غير أن القاسم المشترك في كثير من تلك التجارب كان الحضور الكثيف لخطاب إعلامي متوتر متسارع مشحون بالصور والرموز، ومثقل بثنائية الشعب في مواجهة النظام، بوصفها معادلة صفرية لا تقبل منطقة رمادية.
في العراق وإن سبق زمنًا موجة 2011 قدم نموذجًا مبكرًا لخطاب الشيطنة الذي يهيئ الرأي العام لقبول تحولات كبرى، فحين تختزل دولة كاملة في صورة نظام شيطاني منفصل عن شعبه، وحين يختصر التاريخ السياسي والاجتماعي في سردية واحدة أحادية يصبح من اليسير تبرير كل ما يأتي بعد ذلك من فوضى أو إعادة تشكيل قسري، لا يعني ذلك تبرئة أنظمة أو إنكار أخطاء، بل التنبيه إلى أن اختزال الواقع المعقد في صورة كاريكاتورية يفقد المجتمعات القدرة على إدارة انتقال متوازن، ويفتح الباب واسعًا أمام انهيارات يصعب احتواؤها.
أما في ليبيا، فقد بدا المشهد مثالًا صارخًا على كيف يمكن للصورة الإعلامية أن تتقدم على الوقائع الميدانية، فقد رسم الصراع بلونين لا ثالث لهما، شعب أعزل في مواجهة سلطة متجبرة، ومع تكرار الصورة ذاتها وتكثيف مفردات الطغيان والإبادة والجنون، تهيأت الأرضية النفسية لتقبل تدخلات خارجية، ولتسويغ تفكيك بنية الدولة باعتباره ثمنًا لا بد منه للخلاص، غير أن السؤال الذي يظل معلقًا ماذا بعد سقوط الصورة؟ حين تنهار البنية ولا تقوم بديلًا عنها مؤسسات راسخة، يتحول الفراغ إلى ساحة صراع جديد وتغدو الفوضى واقعًا يوميًّا.
وفي مصر لعب الإعلام التقليدي والجديد دورًا مزدوجًا، فمن جهة ساهم في نقل مشاهد الاحتجاجات وتوسيع دوائر التضامن، ومن جهة أخرى انخرط بعضه في تأجيج الاستقطاب، حتى غدا المجتمع نفسه منقسمًا إلى معسكرات متقابلة، كلٌّ يرى الآخر خطرًا وجوديًّا، هكذا انتقل الخطاب من نقد السياسات إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن الخصم، ومن الجدل السياسي إلى التخوين المتبادل، ومع تصاعد النبرة لم يعد الخلاف حول إدارة الدولة، بل حول هوية الدولة نفسها، ومن يستحق الانتماء الكامل إليها.
إن أخطر ما يفعله الإعلام المشيطن أنه يعيد تعريف الآخر خارج دائرة الإنسانية، حين يوصف طرف بأنه خائن وعميل إرهابي أو فلول بلا تفريق أو تدقيق، فإن اللغة هنا لا تنقل موقفًا فحسب، بل تؤسس لإقصاء رمزي يسبق الإقصاء الفعلي، ومع الوقت يتطبع الجمهور مع هذه اللغة وتتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وهكذا تهندس القناعة بأن القسوة فضيلة، وأن الشدة عدالة، وأن الإقصاء ضرورة وطنية.
لا يمكن إنكار أن كثيرًا من الأنظمة التي سقطت في سياق الربيع العربي كانت تعاني أزمات بنيوية، فسادًا متراكمًا، تضييقًا سياسيًّا واختلالات اقتصادية عميقة، غير أن معالجة تلك الأزمات بخطاب شيطاني لم ينتج في حالاتٍ عدة انتقالًا مستقرًّا، بل أسهم في تعميق الانقسام وتفكيك الدولة، فحين يهدم الخصم رمزيًّا بالكامل دون تصور واضح لما بعده، يصبح السقوط هدفًا في ذاته لا خطوة في مسار إصلاحي متدرج.
لقد كشفت تجارب سوريا واليمن على وجه الخصوص، كيف يمكن للخطاب المتشدد أن يتحول إلى وقود لحروب طويلة الأمد، فمع تعدد الفاعلين وتضارب الأجندات واحتدام السرديات المتناقضة، لم يعد الإعلام مرآة للصراع، بل أحد محركاته، وكلما اشتدت الشيطنة تضاءلت فرص التسوية، لأن التسوية تفترض الاعتراف بوجود طرف آخر لا إنكاره أو شيطنته.
إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق وسيلة بعينها، بل على ثقافة إعلامية كاملة قد تنزلق تحت ضغط المنافسة أو الاصطفاف السياسي، إلى تبسيط مخلٍّ للواقع، فالـمُشاهد المصدوم يبحث عن تفسير سريع، والإعلام المتعجل يقدم له سردية جاهزة تريحه من عناء التفكير المركب، غير أن الثمن يدفع لاحقًا من استقرار الدول ووحدة المجتمعات.
لا يعني نقد الإعلام المشيطن الدعوة إلى تكميم الأفواه أو تجاهل الانتهاكات، بل على العكس هو دعوة إلى إعلام مهني رصين، يفرق بين النقد والتجريد بين المحاسبة والتحريض، بين كشف الحقيقة وصناعة العدو، إعلام يعترف بتعقيد الواقع ويرفض اختزال الأوطان في أشخاص، أو اختزال الشعوب في شعارات.
لقد أسقطت موجة ما يسمى الربيع العربي أنظمة، وغيرت خرائط سياسية، وفتحت آفاقًا، وأغلقت أخرى، لكن الدرس الأهم ربما يكمن في إدراك قوة الكلمة حين تتحول إلى أداة تعبئة شاملة، فالإعلام حين يتخلى عن اتزانه لا يكتفي بوصف العاصفة، بل قد يصبح هو الريح التي تعصف، وفي عالم تتسارع فيه المعلومة وتتزاحم فيه المنصات تزداد الحاجة إلى وعي جمعي يدرك أن الصورة قد تخفي بقدر ما تظهر، وأن الشيطنة مهما بدت مغرية في لحظة الغضب تترك ندوبًا عميقة في جسد الوطن.
إن بناء المستقبل لا يقوم على إنكار الأخطاء ولا على تقديس السلطة، لكنه كذلك لا ينهض على تحويل الخلاف إلى معركة إبادة رمزية، بين التبرير الأعمى والهدم الأعمى مساحة واسعة لإعلام مسؤول يضيء الطريق بدل أن يشعل النار، وفي تلك المساحة وحدها يمكن للأوطان التي عصفت بها العواصف أن تعيد ترميم ذاتها، بعيدًا عن منطق الشيطنة الذي لا ينتج إلا مزيدًا من الانقسام.

زر الذهاب إلى الأعلى