مقالات الرأي

صراع الاستراتيجيات الصراع الإيراني- الأمريكي وتداعياته على ليبيا


فرج عيواز


لم تعد الاستراتيجية ذلك المفهوم العسكري الضيق المرتبط بالكلمة اليونانية القديمة التي تعني جيشًا أو حشدًا، بل تحولت إلى مفهوم شامل يستعمل في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وحتى في سياق الحياة اليومية. وفهم الصراعات الدولية الكبرى، وعلى رأسها الصراع الإيراني الأمريكي، ليس ممكنًا إلا من خلال قراءة وفهم استراتيجيات طرفي الصراع. ويعد المفكر العسكري الصيني (سون تزو) من أبرز منظري الاستراتيجية في التاريخ، وقد لخص جوهر الصراع بقوله “إن أفضل وسيلة لمواجهة الخصم هي مواجهة استراتيجيته بأخرى مضادة لها”، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، تحول النظام الدولي إلى أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، هذا التحول لم يكن سياسيًّا فقط، بل استدعى إعادة صياغة شاملة للاستراتيجيات الدفاعية، فلم تعد القوات المسلحة للدول هي الهدف الرئيس، بل الدولة ككل ساحة مفتوحة للصراع، عبر استهداف القرار السياسي والاقتصاد والإعلام والنسيج الاجتماعي.
ومن هنا، فإن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد أزمات متفرقة، تحدث بشكل عفوي، ولكنه صراع استراتيجيات بين قوى إقليمية ودولية، كل طرف يحاول فرض إرادته على الآخر لتشكيل نظام عالمي يخدم مصالحه ويحافظ على نفوذه. وإيران لا تتعامل مع التهديدات الأمريكية باعتبارها مواجهة عسكرية محدودة، بل كصراع استراتيجي طويل الأمد، لا يستهدف قدراتها النووية والصاروخية وحسب، بل اقتصادها ونسيجها الاجتماعي ومراكز القيادة وصنع القرار، وحتى عقيدتها الوطنية التي يجب أن تكون مطوعة للإرادة الأمريكية بالكامل. وباستراتيجية ذكية استطاعت إيران أن تفرض على أمريكا قواعد اشتباك كانت مفاجئة لها، ووضعت القوات الأمريكية التي تم حشدها في موقف حرج، فالمناورات التي أجرتها إيران، حرمت أمريكا من عنصر المفاجأة، وحولتها من موقع الهجوم إلى الدفاع، فاستهداف قواتها ولو عن طريق الخطأ، يضعها أمام خيارات أحلاها مر، فإما الرد العسكري الفوري بما يفقدها عنصر المبادأة ويجرها لمواجه غير محسوبة النتائج، أو التزام الصمت، الذي ينعكس سلبًا على هيبتها، وربما تلجأ إلى استخدام السلاح النووي وهي غير متيقنة من قدرات إيران النووية.
وفي محاولة للخروج من هذا المأزق، لجأت أمريكا إلى استراتيجية المكر والخداع، فقد أعلن الرئيس ترامب عن تأجيل توجيه ضربة عسكرية لإيران، وفتح الباب لعقد صفقة معها، في انتظار لحظة أكثر ملاءمة لتنفيذ استراتيجيته. وقد عاد صراع الاستراتيجيات بين القوى العظمى، بالغزو الروسي لأكرانيا في 24/2/2022 وإعلان روسيا الاتحادية نهاية عصر القطب الواحد. والعدوان الذي تلوح به أمريكا يهدف إلى تحقيق عدة نتائج منها: التأكيد على الأحادية القطبية بزعامتها، وتحجيم دور كل من الصين وروسيا لاتحادية في المنظومة الدولية، وفي حالة نجاحها، فإن انعكاساته كارثية على العالم أجمع.
والذي يعنينا هو انعكاساته على بلادنا، وإن بدت بعيدة نسبيا عن مسرح الصراع المباشر بين إيران وأمريكا، من حيث الجغرافيا، إلا أنها من حيث التأثيرات والنتائج فهي في قلب الإعصار، فمصير الدول لا يحدد بموقعها على الخريطة، بل بامتلاكها استراتيجية قومية تعمل على تحقيق مصالحها، ويكمن الخطر على ليبيا في انفراد أمريكا بالقرار الدولي تجاهها. ولهذا فإن الانقسام السياسي والتدمير الممنهج لاحتياطات الدولة من العملة الصعبة ورهن مواردها الطبيعية للشركات الأجنبية، وضرب الانسجام الإثني للمجتمع الليبي وتبني نهج الاغتيالات كلما دعت الضرورة وسنحت الفرص، لفرض واقع بالغدر والمكر، وكذلك الأزمات المفتعلة، كأزمة السيولة وانقطاع الكهرباء والوقود وعدم استقرار الأسعار، كل هذه الأوضاع وغيرها ليست أمورًا اعتيادية، ولا هي محض صدفة، بل هي استراتيجية، الهدف منها تحقيق ما هو أسوأ لمستقبل ليبيا برعاية دولية لحكومات عميلة متوالية فرضت على الشعب وهي لا تمت له بأية صلة.
إن صراع الاستراتيجيات ليس حدثًا عابرًا، بل محطات تاريخية يعاد من خلالها صياغة موازين القوة في النظام الدولي. والشعب الليبي بكل أطيافه، مطالب يفهم الصراعات الاستراتيجية السائدة في العالم، وتأثيراتها على مستقبله، والعمل على بناء استراتيجية تخدم أهدافه الوطنية، وتعمل كاستراتيجية مضادة لتلك لاستراتيجيات. وأخطر ما تتعرض له ليبيا اليوم هو التغير الديموغرافي للمجتمع الليبي، والذي بدأ باستراتيجية ناعمة برعاية أممية على النحو الآتي: تشجيع الشباب الليبي على الهجرة خارج ليبيا والزواج من أجنبيات. تشجيع الأجانب على الهجرة إلى ليبيا والاستقرار فيها والزواج من الليبيات. اختراق منظومة السجل المدني ودمج الأجانب ضمن العائلات الليبية. تشجيع الأجانب على مخالفة القوانيين الليبية وامتلاك العقارات. تمكين المجنسين من تولي مناصب مفصلية في الدولة. تهميش الجنوب وحرمانه من الخدمات وتشجيع المواطنين على مغادرته إلى الشمال بهدف تفريغه من الليبيين. زرع الفتنة والشقاق بين مكونات المجتمع الليبي سواء القبلية أو السياسية أو العقائدية، وخاصة بين برقة وطرابلس. سعي الكيان الصهيوني بالتعاون مع أمريكا وعدد من الدول الأوروبية إلى توطين ملايين الفلسطينيين في ليبيا للقضاء على حقهم في العودة، وخلق واقع جديد في ليبيا يخدم مصالح تلك الدول.
وربما يسأل سائل مع علاقة ما يجري في ليبيا بالصراع الاستراتيجي الإيراني الأمريكي؟ فالإجابة عن هذا السؤال تكمن في أن ليبيا جزء من هذا العالم، ولها أهمية جيوستراتيجية للقوى العظمى الإقليمية والدولية، ولهذا، السيطرة عليها، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، يخدم مصالح أية قوة تنجح في ذلك. وكل الليبيين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم معنيون بالأمر، وعليهم أن يدركوا أن الوقت ينفد، وعليهم التحرك بسرعة وحزم للتصدي لتلك الإستراتيجية التي تستهدف وجودهم على هذه الأرض، ويقع العبء على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية لتحريك الشارع ضد هذه المشاريع الاستعمارية، للعمل كاستراتيجية مضادة لإنقاذ الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى