مقالات الرأي

التحولات الأيديولوجية للتنظيمات المتطرفة في ليبيا


محمود امجبر
تُظهر التجربة الليبية المعاصرة أن التنظيمات المتطرفة مثل “داعش” و”القاعدة” وبعض مجالس الشورى، لا تتحرك وفق منطق عقائدي ثابت بقدر ما تتبنى إستراتيجية براغماتية قائمة على التلون وإعادة التموضع. هذه التنظيمات تدرك أن البقاء في المشهد السياسي والعسكري يتطلب مرونة في الخطاب والرموز، بل وحتى في الهوية الظاهرية، وهو ما يفسر اختفاء الرايات السوداء والشعارات التكفيرية عند انتقالها من الشرق إلى الغرب، لتحل محلها شعارات مرتبطة بما يسمى 17 فبراير.
هذا التحول لا يعكس مراجعة فكرية أو تراجعًا عن الأيديولوجيا الجهادية، بل يمثل تكتيكًا مرحليًّا يهدف إلى الاندماج في البيئة الجديدة، وتجنب الاستهداف المباشر، وضمان موقع داخل أي تسوية سياسية محتملة. إن انخراط هذه القيادات في تشكيلات مسلحة تحت غطاء الجيش أو الشرطة ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة، بما يحميها من المحاسبة القانونية ويمنحها شرعية ضمنية.
يمكن القول إن هذه الظاهرة تكشف عن ثلاث مستويات من التناقض:

1. التناقض الأيديولوجي: حيث يتم التخلي عن الرموز العقائدية الصلبة لصالح شعارات وطنية أو ثورية، دون أن يعني ذلك تغييرًا في البنية الفكرية الداخلية.

2. التناقض السياسي: إذ تسعى التنظيمات إلى الظهور كجزء من الحل الوطني، بينما هي في جوهرها جزء من الأزمة.

3. التناقض الاجتماعي: حيث يتم استغلال الانقسامات الجهوية والمجتمعية لتبرير إعادة التموضع وكسب الحاضنة المحلية.


إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن اعتبار هذا التلون مؤشرًا على ضعف هذه التنظيمات وانحسارها، أم أنه يعكس قدرة عالية على التكيف والاندماج في المشهد الليبي بما يهدد أي مشروع لبناء الدولة؟ الإجابة تظل مفتوحة، لكنها تؤكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على البعد الأمني، بل تتطلب أيضًا تفكيك خطابها الأيديولوجي وكشف تناقضاته أمام الرأي العام.

زر الذهاب إلى الأعلى