الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 28

مهدي امبيرش
يبدو أن المقولة التي قالها المفكر الإيطالي بنديتو كروتشه 1866-1952: (كل التاريخ تاريخ معاصر) هذه المقولة، على الرغم من أنها حلم لمنهج تفكير سلفي يحلم كروتشه بعودة أمجاد الإمبراطورية الرومانية الوثنية، حيث السلفية مرتبطة بمنهج هذا التفكير التراجعي المعادي لقانون الحياة المحكوم بالتقدم، حيث التقدم ليس موقفًا سياسيًّا، بل المحرك لحركة التاريخ الإنساني.
المقالات الكثيرة التي تم نشرها تدور كلها حول محور مقاربة لإجابة السؤال الكبير الفلسفي ما الإنسان؟ لا يمكن أن نقول إن الأزمة التي عاشها ويعيشها الإنسان ليست أزمة المعرفة، بل أزمته نفسه، فوعي آدم وزوجه بأنهما محدودان وأنهما يريدان الخروج من هذه المحدودية إلى امتلاك المطلق: الخلد والملك الذي لا يبلى هو الذي جعلهما يدركان أن حدود قدرة هذا الإنسان ليست في التوقف بين تعلم وإدراك العلاقة بين الاسم والمسمى ضمن الممكن البشري وضمن المحدود المعرفي بل الوصول إلى المعنى، حيث المعنى هو ذلكم الاسم المطلق الذي لا يمكن تقديم تعريف له، بل أن يتم امتلاكه. هنا تكون الشجرة رمزية تحتاج إلى التأمل، حتى أن القرآن الكريم تناولها في تعليمنا حقيقة الكلمة الخالقة والممتعة وليست اللفظ، والتي سر إبداعها أنها ثابتة وليست ساكنة، وأنها تتسامى، حتى أن فرعها في السماء، وأنها لا تتوقف على الإنتاج، بل تؤتي أكلها في كل حين، وهنا تعليم آخر للعلاقة بين إنتاج الكلمة الخالقة وبين مقامها، وهو الذي أكّده المثل العربي (لكل مقام مقال).
في الشومانية الهندية يأتي طقس الصعود على شجرة فيتسلق الشوماني هذه الشجرة حتى أعلاها رمزًا للبلوغ إلى المطلق. حتى الفرنسي ديكارت، وهو يبحث عن مقدمة يقينية وقد تملكه الشك في كل المعارف وأن هذه المقدمة هي التي يشد فيها لينطلق إلى تأسيس اورغونول جديد، يتجاوز به اورغونول أرسطو، الذي كان ولا يزال ملهمًا لأسلوب تصوري للمعرفة لا يرفض فيه الحقيقة المطلقة المفارقة، ولكنه يرى خلاف أستاذه الصوفي أفلاطون وأستاذه سقراط أنه لا يمكن الإحاطة بها، فلم ينزلها من السماء، بل أنزل صورها إلى الأرض، فهو لا يبحث عن الحقيقة إنما يكتفي بالمتحقق.
إن هذا المتحقق في نظره هو الوجود بالقوة في الذهن يتحول بالوجود بالفعل وإن كنا نرى أن التحقق ليس للموجود بالقوة، بل للموجود بالفعل، فالموجود بالقوة بمثابة هذه الشجرة (المعنى) بل لفرع منها. وبداهةً فإن أرسطو الذي ينظم لمشروع عالمي، لم يكتفِ بمشروع إصلاحي كما قدمه أستاذه أفلاطون في الجمهورية أو في كتابه القوانين بل مشروع لانتصار القلة الأرستوقراطية خطوةً إلى الانتقال إلى عدمية صوفية، إلى عالم المعنى المطلق في السماء ذلك العالم الذي حلم به أستاذه سقراط وصاغه في مقولته المعروفة (الموت مطلب الفلاسفة)، هنا يكون الفيلسوف باحثًا عن الموت متحررًا من الجسد، وهنا كما ذكرنا في المداخلة السابقة وغيرها أن سقراط تحول إلى صوفي عدمي يعتبر الجسد وكل الموجودات المطلقة ليست إلا وهمًا أو ظلالًا للحقيقة أو كمن هو داخل كهفه تلميذه أفلاطون مقيدًا بسلاسل الشهوات والغرائز يعطي ظهره للنور ويكتفي برؤية ظلال الحقيقة على حائط أمامه، فتكون مهمة الفيلسوف تحرير منهج التفكير وكسر الأغلال وإخراج الأذهان خارج الكهف ومواجهة النور المبهر خارجه المؤلم في البداية الحقيقية المرّة، ثم لا يلبث وقد تحرر من الجسد أن يعود إلى السماء وقد نبتت للنفس جناحاها لتعود قادرة على الطيران في موكب الآلهة.
إن مقولة بنديتو كروتشه قد نعيد صياغتها بمقولة يؤكدها تاريخ الفكر الإنساني: (كل الفكر فكر معاصر)، فأزمة آدم خاصةً بعد أن هبط إلى الأرض من الجنة في ربوة عالية عليها، كان يشده حلم العودة إلى الفردوس المفقود، إلى امتلاك المعنى من جديد وهذا الذي أورثه آدم بنيه. إنها ليست الخطيئة الأصلية التي يقول بها اللاهوت النصراني، فآدم لم يسقط من السماء بل هبط من الجنة على الأرض، وآدم لم يهبط يحمل الخطيئة، بل عاد وقد تاب الله عليه بعد أن تلقى كلمات، هنا تبقى الكلمة الخالقة والمبدعة التي لا يضيق تفكير الإنسان فيها بأن يقتطف ثمرة ويتوهم أنه تملك المطلق، بل أن يبحث بسم الله عن النواة التي أمرها الله أن تنفلق فتهتز الأرض وتربو فتكون الشجرة الطيبة، إنها بدء رحلة الإنسان من البداية إلى البداية وتسقط شجرة ديكارت التي يراها مقلوبة حيث جذع الشجرة هو الميتافيزيقي، وليوقع ديكاترت أتباعه الوضعيين في فرنسا والماديين بعامة في كارثة عبادة الأرض المادة وجبرية القانون الطبيعي وسيطرة الإنسان على الطبيعة واعتبار أن الصراع سينتهي بانتصار المادية والتحقق من الحقيقة بالتجربة، في حين أننا نرى أن العلاقة مع الأرض هي علاقة محبة وأمية وطهارة وأن الإنسان وجوده من الأرض ومصيره على الأرض عذابه فيها وجنته كذلك فيها، وقد هداه خالقه النجدين إمَّا شاكرًا وإمَّا كافورا.
