الأحزاب والقبيلة

محمد بوخروبة
تعدُّ مسألة العلاقة بين الأحزاب السياسية والبنية القبلية في ليبيا من القضايا الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها عند بحث سبل الخروج من حالة التعثر السياسي وبناء دولة مستقرة، فهذه العلاقة التي كثيرًا ما جرى تناولها من زاوية الصدام أو التناقض تحتاج اليوم إلى مقاربة أكثر نضجًا وواقعية، تنطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع الليبي وتضع نصب أعينها متطلبات الدولة الحديثة دون تجاهل الخصوصيات الاجتماعية المتجذرة.
لقد أثبتت التجربة الليبية عبر مراحلها المختلفة أن تجاهل القبيلة أو محاولة إقصائها من المجال العام لم يؤدِ إلى تعزيز الدولة، كما أن تسييس القبيلة وتحويلها إلى بديل عن العمل الحزبي لم ينتج نظامًا سياسيًّا مستقرًّا، ومن هنا تبرز الحاجة إلى صياغة معادلة انسجام منضبط بين الأحزاب والقبيلة تقوم على وضوح الأدوار واحترام الحدود والتكامل تحت مظلة القانون والدولة.
القبيلة في ليبيا ليست مجرد انتماء تقليدي، بل هي بنية اجتماعية لعبت دورًا محوريًّا في تنظيم العلاقات وحل النزاعات وحفظ السلم الأهلي، خاصة في ظل ضعف مؤسسات الدولة خلال فترات طويلة من التاريخ الليبي، وقد شكلت القبيلة في أوقات الأزمات شبكة أمان اجتماعي حالت دون تفكك المجتمع أو انزلاقه إلى صراعات مفتوحة واسعة النطاق.
بعد عام 2011 ومع انهيار منظومة الدولة، تعاظم هذا الدور بشكل ملحوظ، حيث اضطلعت القبائل بمهام الوساطة واحتواء النزاعات المحلية وتأمين بعض المناطق في ظل غياب سلطة فاعلة. هذا الواقع، مهما كانت ملاحظاته، يعكس حقيقة أساسية مفادها أن القبيلة ما زالت عنصرًا فاعلًا في المعادلة الليبية، وأن أي تصور سياسي يتجاهلها يفتقر إلى الواقعية.
غير أن هذا الحضور الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن تتحول القبيلة إلى فاعل سياسي مباشر أو أن تحل محل المؤسسات الرسمية، فاستمرار هذا الخلط بين الدور الاجتماعي والدور السياسي من شأنه أن يكرس حالة السيولة ويضعف منطق الدولة ويربك العملية السياسية.
في المقابل، تمثل الأحزاب السياسية أحد الأعمدة الأساسية لأي نظام سياسي مستقر، فهي الأداة التي تنظم التعددية وتؤطر المشاركة الشعبية وتحول المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات عامة. غير أن التجربة الحزبية في ليبيا ظلت محدودة التأثير لأسباب تاريخية تتعلق بغياب الممارسة الحزبية لفترات طويلة، ثم بعودتها المفاجئة بعد عام 2011 في بيئة مضطربة وغير مستقرة.
هذه الأحزاب، رغم تعددها، لم تنجح في بناء قواعد جماهيرية واسعة على أساس البرامج والرؤى الوطنية، بل وجدت نفسها في كثير من الأحيان مضطرة إلى التعامل مع الواقع القبلي بوصفه مدخلًا لاكتساب الشرعية الاجتماعية، وفي غياب إطار منظم لهذه العلاقة تحولت بعض الأحزاب إلى واجهات لتمثيل مناطق أو قبائل، ما أضعف مصداقيتها وقلص قدرتها على لعب دور وطني جامع.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود القبيلة أو الحزب، بل في تداخل الأدوار بينهما، فعندما تُسَيَّس القبيلة تتحول إلى أداة تنافس سياسي وتفقد قدرتها على لعب دورها الاجتماعي الجامع، وعندما تخضع الأحزاب لمنطق العصبية تفقد جوهرها السياسي وتتحول إلى كيانات هشة عاجزة عن تقديم حلول وطنية شاملة.
هذا التداخل انعكس سلبًا على المسار السياسي، حيث أضعف الثقة في الأحزاب، وأربك العملية الانتخابية، وكرَّس الانقسامات الجهوية بدل أن يسهم في تجاوزها، كما أنه حمَّل القبيلة أعباء سياسية ليست من صميم وظيفتها وأدخلها في صراعات تستنزف رصيدها الاجتماعي.
إن الانتقال من حالة التنازع الضمني إلى حالة الانسجام المنظم بين الأحزاب والقبيلة يتطلب رؤية مؤسسية واضحة تتبناها الدولة وتعمل على تنفيذها عبر أدوات قانونية وسياسية متدرجة.
لا بد من تكريس مبدأ الفصل بين الدور الاجتماعي للقبيلة والدور السياسي للأحزاب، فالقبيلة يمكن أن تكون شريكًا في السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية، بينما يظل التنافس على السلطة وصياغة السياسات من اختصاص الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
لذا يتطلب هذا الانسجام تشريعات واضحة تنظم العمل الحزبي وتمنع استغلال الانتماءات القبلية في المنافسة السياسية دون أن تُجرِّم الروابط الاجتماعية، فالقانون هنا ليس أداة إقصاء، بل وسيلة تنظيم وضبط.
فعلى الأحزاب الليبية أن تعيد النظر في بنيتها الداخلية وأن تعتمد معايير الكفاءة والبرنامج والقدرة على الإقناع بدل الارتهان للثقل الاجتماعي أو الجهوي، فالحزب القوي هو الذي يستمد شرعيته من مشروعه الوطني لا من امتداداته القبلية.
ويمكن للدولة أن تستفيد من مكانة القبيلة في دعم المصالحة الوطنية وتعزيز السلم الأهلي وبناء الثقة في المؤسسات دون أن تقحمها في التجاذبات السياسية اليومية.
وعليه، يقع على عاتق صناع القرار مسؤولية محورية في إدارة هذه العلاقة الحساسة، فالمطلوب ليس الاكتفاء بإدارة التوازنات القائمة، بل الانتقال إلى قيادة تحول تدريجي يعيد الاعتبار للمؤسسات ويعزز منطق المواطنة ويقلص الاعتماد على الولاءات الأولية.
إن دعم الأحزاب الجادة وتوفير بيئة قانونية آمنة لعملها، بالتوازي مع تمكين القبيلة من أداء دورها الاجتماعي في إطار القانون، من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة للاستقرار السياسي ويمهد لانتقال أكثر سلاسة نحو دولة مدنية فاعلة.
وإن انسجام الأحزاب مع القبيلة في ليبيا ليس شعارًا سياسيًّا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المجتمع ومتطلبات الدولة، وهذا الانسجام لا يتحقق عبر الذوبان أو الهيمنة، بل عبر تنظيم العلاقة وضبط الأدوار وبناء الثقة تحت سقف القانون والمؤسسات.
فالدولة القوية هي التي تستوعب مكوناتها الاجتماعية دون أن تفرط في سيادتها، والسياسة الرشيدة هي التي تُدار عبر الأحزاب لا العصبيات، وبين هذا وذاك تظل مسؤولية صناع القرار حاسمة في رسم الطريق نحو استقرار دائم، تكون فيه القبيلة سندًا اجتماعيًّا والحزب أداة سياسية والدولة الإطار الجامع للجميع.
