تغييب الجسد لإقصاء الدور ووأد المشروع

محمد عبدالقادر
عادةً ما يرافق الجريمة السياسية الغموض والتظليل وتشتيت الناس، “إذا حدث شيء ما، يمكنك الرهان على أنه كان مخططًا له أن يحدث بهذه الطريقة”. فرانكلين روزفلت.
لم يكن الاغتيال حدثًا ناشئًا أو معاصرًا أو آنيًّا، بل حدثًا تم في كل مراحل حياة الإنسان على ظهر هذا الكوكب، منذ الفجيعة الأولى التي تمثلت في قتل قابيل لأخيه هابيل، عندما لم يجد مخرجًا من المأزق الذي وصل إليه وهو عدم قبول دوره، فكانت تصفية أخيه هي الحل الوحيد أمامه، مُوثِّقًا بذلك الجريمة الأولى والخطيئة الشنعاء على ظهر البسيطة.
هي ذاتها “عقلية الإقصاء” وإن تطورت تقنيات تنفيذها من “ضربة حجر” غادرة، إلى “خوارزمية حصار” معقدة، تهدف إلى تصفية الدور عبر تصفية الجسد، إنها سلوك العاجز تعبيرًا عن العجز.
فالجريمة هي الجريمة، مقصدها واحد وغايتها الإقصاء الجسدي لتغييب الدور بدلًا من خوض التنافس تحت إشعاع الضوء مشروعيةً وأخلاقًا وإن تعددت الوسائل وإن أُحكمت تقنيات التخطيط والتنفيذ وتوفير البيئة المناسبة للتنفيذ. فالإقصاء التام للخصم جسديًّا بعد العجز عن تحقيق الغلبة والإقصاء بسبل أخرى هو الأسلوب المتبقي وكثيرًا ما أتبع.
لذلك نستطيع أن نقرر أنه الصراع ذاته، لأن مقصده هو ذاته إدارة الصراع بين “الحق” و”الاستحواذ”، وبين “الشرعية” و”القوة الغاشمة”.
ظل سيف الإسلام يحمل قضية وطنه ويواجه أشكالًا متعددة من الإقصاء ضد قوى محلية وقوى دولية ترتبط ارتباطًا مصلحيًّا ووظيفيًّا ببعضها البعض، وتمثل مشروعًا مشتركًا وهو الهيمنة على ليبيا للهيمنة على ثرواتها وموقعها، ولكي يتم ذلك بلا مقاومة جرت عملية استهداف للذاكرة ومحو الحقائق واستبدالها بضخ إعلامي معلوماتي استُخدمت فيه كل وسائل الإعلام والاستعلام بكل تقنياته وأدواته وفق مخططات ليست جديدة.
إن أصحاب المشروع الاستعماري الاستحواذي وكذلك الذين ربطوا مصيرهم به وظيفيًّا باعتبارهم أتوا بترتيبات حلف الناتو والقوى المهيمنة عليه جميعهم خاضوا معركة لقتل الرمزية في سيف الإسلام بشائعات قدمت للجنايات الدولية وللقضاء المحلي تحت توصيف جرائم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية بمقاصد اغتيال الرمزية في نضاله. وحتى يكتمل المشهد الذي قصد به تزيين احتفالية الانتخابات التي أُريد لها أن تنفذ شكلًا أو أداةً استعراضية لكون الديمقراطية قد نفذت بليبيا بممارسة احتفالية استعراضية (إجراء الانتخابات تحت إشراف فعلي للناتو أو بعض دوله الفاعلة).
كيف تكون الجنازة حضورًا، وليست غيابًا، رمزًا للتجذر وليس محوًا، إعلانًا للانتصار، وليس غيابًا يلازم الاغتيال.
يتكلم كلٌّ من مالك بن نبي في كتابه “الصراع الفكري” وفرانتز فانون في كتابه “معذبو الأرض” عن تجسيد المقاومة وتجريدها، وعن أساليب الاستعمار في التصفية الجسدية والرمزية لإفشال المقاومة، ففكرة “تصفية الدور” والحصار التقني والجسدي والمعنوي لسيف الإسلام طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية التي تمثلت في المطاردة والسجن ثم التضييق وتقييد الدور في مجال غير حيوي ولمعرفة الرؤية التي خلص كل منهما نستعرضها وفقًا للآتي: فمالك بن نبي أحد مفكري الجزائر الكبار ويطلقون عليه مفكر النهضة: وصفها بـ “التصفية الرمزية” والصراع الفكري:
في كتابه الصراع الفكري في البلاد المسْتَعْمَرة، يتحدث بن نبي عن فكرة “اغتيال الأفكار”. فيقول: الاستعمار لا يكتفي بقتل البطل، بل يحاول “تجريده” من قيمته الرمزية عبر تسميم الفكرة بجعل “سيف” يبدو كخروج عن النسق أو خطر وجودي لدولة ديمقراطية مستقرة آمنة مشروعه سيلحق بها الضرر القيمي والعملي، وتتولى الشائعات تشويه دوره، بدلًا من كونه مشروع نهضة واسترجاع سيادة وتفعيل مؤسسات دولة والقيام بمصالحة أهلية ومجتمعية وهذا يخالف مشروع الهيمنة الأجنبية على البلاد!
الاستلاب: محاولة إقناع الجماهير بأن الوسائل التي يمتلكها العدو (التهميش القيمي والحصار) هي قدر محتوم لا يمكن مواجهته.
أما فرانتز فانون الفيلسوف والطبيب الفرنسي الجنسية الأفريقي النسب والمولود في الجزائر فيقول: “تجسيد المقاومة” وعنف التحرر في “معذبو الأرض”، حيث يركز فرانتز فانون على أن الاستعمار يمارس “نزع الصفة الإنسانية” الجسدية ليست كنهاية، بل هي لحظة “تجسيد” للمقاومة في أجساد الآخرين، فالعنف الرمزي والحصار هو نوع من “العنف الهادئ” الذي يمارسه المستعمر الحديث لخنق إرادة الشعوب، فالجنازة تصبح فعلًا ثوريًّا وفقًا لرؤية فرانتز فانون.
الجنازة الضخمة هي اللحظة التي يدرك فيها “المعذبون في الأرض” قوتهم الكامنة؛ حيث يتحول جسد البطل المسجى إلى “وقود” يحرك ملايين الأجساد الحية إن وعت الدرس وأدركت ما يخفيه وما يترتب عليه.
وقد التقى كلٌّ من مالك بن نبي في “الصراع الفكري” وفرانتز فانون، ففي اعتبار أن القوى المهيمنة لا تستهدف الجسد إلا بعد أن تفشل في “اغتيال الرمز” وتشويه فكرته.
إن ما تعرض له “سيف الإسلام” من حصار تقني هو تجسيد لآليات “التصفية الرمزية” التي تهدف إلى إفراغ المقاومة من محتواها وتحويلها إلى مجرد أرقام محظورة في فضاء سيبراني.
لكن، وكما يؤكد فرانتز فانون في “معذبو الأرض” وكذلك مالك بن نبي، فإن محاولة الاستعمار الحديث خنق إرادة التحرر عبر أدوات القمع المتعددة الوسائل النفسية والتقنية والمادية في إدارة حرب شاملة لكنها تنكسر دائمًا أمام “تجسيد المقاومة” في الوعي الشعبي. فالجنازة التي شكك فيها الخصوم لم تكن وداعًا، بل كانت الانفجار الشعبي الذي يثبت أن “الروح” التي تحدث عنها فانون أقوى من “هندسة القمع” التي تمارسها قوى الهيمنة والاستحواذ الدولي.
هل يمكن أن نعتبر هذا التداعي العظيم إلى الجنازة هو رد فعل في لاوعي الجموع، وقد يكون في وعي بعضهم بأن الرد استوجب الحضور القوي والرمزي على الاغتيال والمغتالين والتأكيد على أن المشروع سيستمر وأن المغتال سيتحول إلى رمز ينير الدروب نحو التحرر واسترجاع الدولة من مغتصبيها وتفعيل مؤسساتها وفق عمل سياسي واع
