المشهد القَبَلي والتدخل الإقليمي

بقلم عبد الله ميلاد المقري
العامل القَبَلي، الذي كثيرًا ما حُشر في المعارك السياسية لمجتمعات ما زالت تُوصَف بأنها ما قبل ثورة التغيُّر الاجتماعي والتقدُّم الاقتصادي، وتحولت الثروة فيها من الريعية إلى تدوير التنمية بفضل الاستثمار في المشاريع الاقتصادية الكبرى ذات المردود الوطني، هو هذا التعويل الخرافي، وهو بمثابة استنشاق نوع من بخور التخدير للمتربعين على المشهد السياسي، دون حلٍّ لما يجري من تقاسم، في ظل محاولة من هم في السلطة الثنائية مواجهةَ الأحزاب التي يُفترض فيها أن تكون أداةً للديمقراطية في مرحلة ما قبل الديمقراطية الشعبية، وصولًا إلى حكم الشعب السيد، وذلك وفق فكرتين: الأولى نظرة عامة، وهي مقصودة، تتعلق بالعزوف عن فكرة قدرة الأحزاب على التغيير، والأخرى لدى أنصار الجماهيرية أن الحزبية إجهاض للديمقراطية، وبالتالي فإن العامل الحزبي يواجه تحديًا ثانويًّا من القاعدة الشعبية لهذه الأحزاب، التي ينظر إليها من هم في السلطة بنوع من الاستهزاء. وظهرت في بعض الفترات فكرة شراء رخصة حزب، وكيف لا، فهي قريبة من «حزب تحت الطلب».
وفي بداية الكارثة الليبية ظهرت إلى الوجود عملية «ميليشية تحت الطلب»، ولعل القوائم الصادرة أو التي ستُكشَف باستلام أموال ضخمة، نعم هي حقيقة، تعبِّر عن ميليشية تحت الطلب، حيث وجد البعض من الاستغلال القبلي أنفسهم منخرطين في تنظيم ميليشياوي تُوزَّع عليهم المغانم من خزينة الدولة الريعية والمستولية على السلطة من خلال المجلس الانتقالي، الذي تدرج في حمايته محليًّا من هذه الميليشيات التي كانت تجمع العديد من العاطلين، بالإضافة إلى حمايته من الخارج بقوى إقليمية. حيث ورثت القوى الدولية المتمثلة في العامل العسكري، الذي دمَّر القوات المسلحة العربية الليبية وعطَّل أجهزة الأمن العام لصالح نجاح المؤامرة على النظام السياسي الوطني، وبالتالي تحولت هذه التنظيمات الميليشياوية إلى عامل في مواجهة السلطة الدوَّارة بالاستيلاء على وظائفها الأساسية، بل أصبحت جزءًا متحكمًا في هذه السلطة فيما يتعلق بتمويل نشاطها، إلى حدِّ الابتزاز وتسخيرها في القيام بنشاط غير مشروع أقرب إلى رشوة من أجل الاستمرار في السلطة. وهذا ما توافق مع هذا السياق السياسي، مع محاولات بعثة الدعم الأممي في ليبيا بتبنِّي هذا الواقع المريب، الذي لم تنجح فيه البعثة في تحقيق أيٍّ من عملها. أمّا المشهد الخارجي المحكوم بهذه الديمومة السياسية الفاشلة فهو التدخل الإقليمي، وينحصر في التدخل التركي، الذي أصبحت له قاعدة استعمارية عسكرية وسياسية بالتأثير المباشر على الأرض، إضافة إلى قوات عسكرية بحرية وجوية تدعمها قوى المرتزقة المقاتلة، والتي تستعد لإلجام أي انتفاضة شعبية تحقق السيادة الوطنية ووحدة القرار السياسي الواحد، والتخلص من سلطة التأثير الموازي الداخلي والتدخل الخارجي الذي يظهر وجه الاستعمار الإقليمي البشع.
