مقالات الرأي

ليبيا.. متاهة وطنية لا يملك مفتاحها إلا أبناؤها جميعًا


فرج بوخروبة


الحياة في ليبيا اليوم تشبه متاهة واسعة بثلاث بوابات: الأحلام، الأوهام، والفشل. وكل بوابة لا تقود إلى خلاص، بل إلى سؤال أعمق: ماذا يعني أن تكون وطنًا حين يصبح الوطن نفسه موضع شك؟ ليست هذه مجرد استعارة أدبية. إنها وصف دقيق لواقع يعيشه الليبي كل صباح: أزمة اقتصادية مُصطنعة، انقسام مؤسسي مُستدام لمصالح ضيقة، وحوار سياسي تحول إلى صراخ لا يسمع فيه أحد أحدًا.
ما زال هناك ليبيون بسطاء يحلمون بدولة قانون. بمؤسسات تعمل. بحياة لا تُقاس فيها الكرامة بميزان القوة أو بقرب المسؤول من مركز النفوذ. هؤلاء – الموظف البسيط، العامل، المعلم، الممرضة – لا يملكون رفاهية اليأس، لأن اليأس في بلد مثل ليبيا ليس خيارًا، بل انتحار بطيء. الحلم عند هؤلاء ليس رومانسية ساذجة، بل فعل مقاومة يومي. مقاومة لخطاب النخب السياسية والاقتصادية الذي يريد إقناعهم بأن هذا هو قدرهم، وأن الوطن مجرد غنيمة تتقاسمها مراكز القوى، لا مشروع أخلاقي يستحق التضحية. لكن المشكلة أن الحلم في ليبيا يسير على حافة رفيعة. خطوة واحدة خاطئة، فيسقط الحالم في الوهم.
الوهم في ليبيا ليس مجرد خطأ فردي، بل صناعة منظَّمة تديرها النخب السياسية والاقتصادية. وهم الاستقرار الموعود. وهم الزعيم المنقذ. وهم الشرعية المطلقة. وهم أن الحل قادم من مؤتمر دولي أو من اتفاق جديد سيكون “الأخير”. هذا الوهم يُصنع بعناية: خطابات رنَّانة بلا أفعال، وعود انتخابية لا تُنفَّذ، اتفاقات تُوقَّع للاستهلاك الإعلامي ثم تُنسى. والهدف واحد: إبقاء الناس في حالة انتظار دائم، بينما تستمر منظومة المصالح في العمل. حين تغيب الدولة وتهيمن الميليشيات المدعومة من نخب سياسية، وحين يتحكم التجار الكبار في الأسعار والعملة، وحين يحوِّل أصحاب النفوذ الخدمات العامة إلى مشاريع ربح خاصة، يصبح الوهم أسهل من الحقيقة. والمؤلم أن هذا الوهم لا يكتفي بخداع الناس. إنه يطيل عمر الأزمة عمدًا، لأنه يخلق جمهورًا واسعًا يرفض الاعتراف بالواقع، ويستبدل التحليل بالتبرير، والحقائق بالشعارات الجاهزة التي تُطلقها تلك النخب.
الفشل في ليبيا لم يعد حدثًا طارئًا. لقد أصبح نموذج عمل مربحًا: فشل في بناء دولة موحدة لأن الانقسام يخدم مصالح أطراف عديدة، فشل في إنتاج طبقة سياسية مسؤولة لأن اللامسؤولية تُخفي الفساد، فشل في خلق مشروع وطني جامع لأن المشروع الوطني يهدد الولاءات الضيقة والمكاسب الخاصة. الأخطر من ذلك أن الفشل أصبح دورة مُستدامة: من اتفاق إلى اتفاق آخر لا يُنفَّذ. من حكومة إلى حكومة موازية. من موعد انتخابي إلى تأجيل. لماذا؟ لأن كل تأجيل يعني استمرار الوضع الراهن، وكل فشل يعني استمرار مكاسب فئات محددة.
السياسيون الذين حوَّلوا المناصب إلى غنائم، والمؤسسات إلى مزارع خاصة، والشرعية إلى سلعة تُباع وتُشترى. التجار الكبار الذين صنعوا أزمة السيولة بتهريب العملة، وضاعفوا الأسعار عشرة أضعاف بحجة “سعر الصرف”، واحتكروا السلع الأساسية لزيادة الأرباح، ثم اشتكوا من “غياب الدولة” الذين هم أنفسهم أسهموا في تدميرها. أصحاب النفوذ الذين حوَّلوا الصحة والتعليم إلى مشاريع ربح فاحش: الطبيب الذي أغلق عيادته في المستشفى العام ليفتح عيادة خاصة بأسعار خيالية، رجل الأعمال الذي يستثمر أموال ليبيا في الخارج بينما يُحاضر عن “الوطنية”. الميليشيات التي تحولت من “ثوار” إلى تجار حرب وحماية، تسيطر على الموارد وتفرض الإتاوات وتُعطِّل أي محاولة لبناء دولة حقيقية. البيروقراطيون الفاسدون الذين حوَّلوا كل معاملة رسمية إلى “خدمة” مدفوعة، وكل وظيفة إلى صفقة، وكل مشروع عام إلى فرصة للعمولات. وبينما يتقاسم هؤلاء الكعكة، يُطلب من المواطن البسيط – الذي لا حول له ولا قوة – أن يصبر، وكأن الصبر وحده قادر على إعادة بناء وطن دمَّرته النخب الفاسدة عمدًا.
الانقسام في ليبيا ليس فشلًا، بل استراتيجية. لم يعد الأمر مجرد حكومتين أو برلمانين أو جيشين. أصبح الانقسام أداة للسيطرة: طالما بقي الشعب منقسمًا على نفسه – شرق وغرب، قبيلة وقبيلة، مدينة ومدينة، أيديولوجيا وأخرى – ستبقى النخب الفاسدة في مأمن من المحاسبة. الخطاب العام يزداد خشونة عمدًا. لغة الحوار تحولت إلى تبادل اتهامات واستعراض قوة، لأن كل طرف يستفيد من بقاء الصراع مشتعلًا. الانقسام ليس مشكلة تُحل، بل سلعة سياسية تُستثمر. في غياب ثقافة الاعتراف بالآخر – وهو غياب تصنعه النخب عمدًا – يصبح أي حوار مجرد مضيعة للوقت، وأي اتفاق مجرد هدنة مؤقتة حتى الجولة التالية.
الموظف الذي راتبه لا يكفي أسبوعًا. الأم التي تبحث عن دواء لطفلها في صيدليات خاوية أو بأسعار جنونية. الشاب العاطل الذي لا يجد فرصة إلا بواسطة أو رشوة. المعلم الذي يُدرِّس في مدرسة بلا كهرباء ولا كتب. المريض الذي يموت على باب مستشفى منهار بينما العيادات الخاصة تزدهر. هؤلاء هم من يدفع ثمن فشل مُتعمَّد وأزمات مُصنَّعة. بينما النخب السياسية والاقتصادية تتنقل بين الفنادق الفاخرة والعواصم الأجنبية، وأبناؤها يدرسون في جامعات أوروبية، وحساباتهم البنكية تنتفخ في الخارج.
الليبي البسيط اليوم يعيش في منطقة رمادية قاسية: يحلم لكنه يخاف أن يكون حلمه ساذجًا. يشك لكنه يُتهم بالخيانة. يبحث عن الحقيقة لكنه محاصر بخطابات متناقضة تصنعها النخب. يريد دولة لكنه يرى الدولة تُباع بالمزاد العلني أمام عينيه. لكن هناك حقيقة يجب قولها بوضوح: الأمم لا تُبنى والنخب الفاسدة مستمرة في السلطة. لا يوجد اتفاق سياسي أو مؤتمر دولي أو حل سحري سينقذ ليبيا طالما بقيت المنظومة نفسها تدير اللعبة.
الخروج يبدأ من سؤال واحد صعب: من يستفيد من استمرار الأزمة؟ الإجابة ستقود مباشرة إلى أسماء وجهات ومصالح. وحين يبدأ الليبيون – كل الليبيين البسطاء، لا النخب – في طرح هذا السؤال بصوت عالٍ، ستبدأ المتاهة في الانهيار. الأحلام وحدها لا تكفي. الوهم لا يبني وطنًا. الفشل ليس قدرًا أبديًّا، بل صناعة متعمدة يمكن إيقافها. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة المؤلمة هو الخطوة الأولى والضرورية: ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الاتفاقات، بل إلى محاسبة حقيقية. لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى إسقاط منظومة الفساد بأكملها.
والممكن، إن كان ما زال موجودًا، لن يتحقق بالصبر الأعمى ولا بانتظار المعجزات، بل بقرار جماعي من البسطاء – الأغلبية الصامتة – أن يتوقفوا عن السماح لنخب فاسدة بسرقة مستقبلهم باسم الشرعية أو الثورة أو الوطنية أو أي شعار آخر. الوطن لن يُبنى بأيدي من دمَّروه. والخلاص لن يأتي ممن صنعوا الأزمة. هذه هي الحقيقة المؤلمة، والاعتراف بها هو بداية الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى