الاغتيال جريمة سياسية تُجهض المصالحة وتعيد ليبيا إلى مربع الدم

ناصر سعيد
لا يمكن قراءة اغتيال الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي خارج سياقه السياسي والوطني العام، ولا التعامل معه كحادثة أمنية معزولة أو جريمة جنائية عابرة. ما جرى هو اغتيال سياسي مكتمل الأركان، يحمل بصمات مشروع يقوم على تصفية الخصوم، وإدامة الفوضى، ومنع أي إمكانية حقيقية لالتقاء الليبيين على أرضية وطنية جامعة.
إن تنفيذ عملية الاغتيال داخل مقر إقامته، وبذلك الشكل الجبان، يكشف بوضوح أن الهدف لم يكن شخص سيف الإسلام بحد ذاته، بل الدور الذي مثَّله خلال السنوات الأخيرة كأحد العناوين المحتملة لمسار المصالحة الوطنية، ومحاولة إعادة فتح قنوات الحوار في بلد أنهكته الحرب والانقسام والسلاح المنفلت.
لقد شكَّل سيف الإسلام، بالنسبة إلى قطاع واسع من الليبيين، رمزًا لإمكانية تجاوز مرحلة الاقتتال، والانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن الثأر إلى المصالحة. ومن هنا، فإن اغتياله لا يُعدُّ فقط تصفيةً لشخصية سياسية، بل رسالة دموية واضحة مفادها أن المصالحة غير مرغوب فيها، وأن أي مشروع وطني جامع سيُواجه بالرصاص لا بالحوار.
تداعيات هذه الجريمة تتجاوز بعدها الإنساني والأخلاقي إلى أبعاد سياسية خطيرة. فهي عمليًّا تطوي ما تبقَّى من ملف المصالحة الوطنية، وتنسف أي أمل في بناء توافق حقيقي، كما تعيد ترسيخ مناخ الخوف والاغتيال كأداة لإدارة الصراع. والأسوأ من ذلك أنها تعمِّق انعدام الثقة بين الليبيين، وتؤكد أن الساحة الليبية لا تزال مفتوحة لتدخلات خارجية تُدار عبر أدوات محلية فقدت بوصلتها الوطنية.
إن سجل الاغتيالات السياسية في ليبيا، منذ عام 2011، لم يكن يومًا صدفة، بل كان نهجًا ممنهجًا استهدف القادة العسكريين، والشخصيات السياسية، والرموز الوطنية، وكل من يمكن أن يشكِّل نواة لاستعادة الدولة. واغتيال سيف الإسلام يأتي في هذا السياق، بوصفه حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم التي لم يُحاسب مرتكبوها، ما شجَّع على تكرارها وتحويلها إلى أداة مألوفة في الصراع على السلطة.
وإذ ينعى الليبيون اليوم سيف الإسلام القذافي، فإنهم لا ينعون شخصًا فقط، بل ينعون فرصة ضائعة أخرى لإنهاء مرحلة الدم، ويواجهون سؤالًا مصيريًّا: إلى متى سيظل الوطن رهينة للقتل السياسي، ومنطق الإقصاء، وتصفية الحسابات؟
إن الردَّ الوطني على هذه الجريمة لا يكون بالانفعال العابر ولا بالشعارات، بل بإعادة طرح السؤال الجوهري حول مستقبل ليبيا: دولة تُدار بالقانون والمؤسسات، أم ساحة مفتوحة للاغتيال والفوضى؟ فإما أن يتحمَّل الليبيون مسؤوليتهم التاريخية في وقف هذا المسار، أو يستمر نزيف الدم إلى ما لا نهاية.
اغتيال سيف الإسلام القذافي ليس نهاية فصل، بل بداية مرحلة أكثر خطورة، ما لم يُواجَه بوعي وطني جامع، وإرادة سياسية حقيقية تضع حدًّا لمسلسل الدم، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة، قبل أن يُغلق الوطن صفحته الأخيرة.
