مقالات الرأي

القيادة بين الفطرة والتعلُّم


فرج عيواز


إن حصر مفهوم القيادة في المجالين السياسي والعسكري يعكس رؤية قاصرة، ويحول دون بناء نقاش علمي رصين حول طبيعتها وأسس تكوينها، كما يعوق التمييز بينها وبين مفهوم الإدارة.
وبين هذا وذاك تضيع الكثير من المواهب القيادية في مختلف مجالات الحياة، غير مدركين أن كل قائد إداري، وليس كل إداري قائدًا، بغض النظر عن المنصب أو الدور الذي يؤديه في المجتمع.
وعلى الرغم من أن القيادة والإدارة يشتركان في هيكل تنظيمي واحد والعمل وفق إطار قانوني معدٍّ سلفًا، فإن هناك جانبًا جوهريًّا يميز القيادة عن الإدارة، وهو فن الأداء. فبينما تهتم الإدارة بالتنظيم والرقابة الصارمة وفق أنظمة المؤسسة لضمان إنجاز الأعمال، تتميز القيادة بالتأثير الإيجابي على المرؤوسين من خلال تحفيزهم وتوظيف القوانين بمهارة وذكاء لتحقيق الأهداف بكفاءة عالية. ومع ذلك، تظل الإدارة شرطًا أساسيًّا لأي قيادة ناجحة، وإغفالها يؤدي إلى الفوضى.
وقد ارتبطت صفة القيادة تقليديًّا بالجيوش نظرًا إلى خصوصيتها، ولكن هذا الارتباط لا يعني حصرها في مجال محدد، فهي ليست حكرًا على موقع أو سلطة القيادة وليست مجرد منصب، بل هي ممارسة عملية يومية تتجلى في سياقات متعددة، وتتميز بالقدرة على التأثير والتنظيم والتوجيه وتحمل المسؤولية. في العصر الحديث، أصبحت أهمية دور القائد في تحقيق النجاح واضحة، وأصبحت القيادة من أبرز المجالات التي تحظى باهتمام متزايد من المفكرين والباحثين، حيث تطورت من مجرد موهبة فطرية إلى علم له قواعده ونظرياته، مع أساليب ومناهج مدروسة في التدريب والتقييم. لم يعد ظهور القائد مجرد صدفة أو طفرة، بل أصبحت القيادة تُصنع بأساليب حديثة ومنهجية.
وأظهرت الدراسات والأبحاث أن ما يقارب 2% من البشر هم قادة بالفطرة، ولا يمكن أن يكونوا غير ذلك، أما البقية فيمكن أن يُصنع منهم قادة بالتعليم والتدريب والممارسة، وهم الفئة المستهدفة بالتطوير والتأهيل. وقد أسهمت النظريات الحديثة في فهم سلوك القادة وتأثيرهم على الأفراد والجماعات، وتحديد مجموعة المعطيات وصفات القائد.
ومن أبرز هذه النظريات نظرية السمات لتوماس كارلايل، التي ترى أن الصفات الشخصية كالذكاء والثقة بالنفس والطموح والمظهر الخارجي والكاريزما هي الشروط الأساسية الواجب توفرها في الشخص ليكون قائدًا ناجحًا.
وتجاهل الظروف والمواقف والبيئة، التي تراها بعض النظريات الأخرى، هو من العوامل الرئيسة في بروز القادة. بالإضافة إلى ذلك، تؤكد نظرية السمات أن القيادة موهبة فطرية وليست تعلمًا، وبهذا تختلف مع غيرها من النظريات التي ترى أن القيادة، إلى جانب كونها موهبة، يمكن اكتسابها. وكأن أنصار نظرية السمات يكرسون لشيء ما، ألا وهو قتل الطموح لدى الآخرين. وهناك نظريات أخرى مثيرة للاهتمام كالنظرية السلوكية والنظرية الموقفية؛ حيث تهتم النظرية السلوكية بسلوكيات القائد وكيفية أداء واجباته، بينما ترى النظرية الموقفية أن المواقف والظروف هي التي تخلق القادة، وعلى سبيل المثال، في النظرية الموقفية، الأسرة التي تفقد الأب، فإن الأبناء سيلقون تلقائيًّا على أحد أفرادها مسؤولية القيادة بعده.
ومن وجهة نظري، فإن النظرية الموقفية تتوافق مع نظرية الفراغ، فالظروف الصعبة تصقل الرجال وتظهر مواهبهم القيادية.
والدراسات التي تناولت مفهوم القيادة أظهرت عدة أنواع من القيادات، كالقيادة الديمقراطية والدكتاتورية والخدمية والتحويلية والعاطفية والتفويضية. وأغلب هذه النظريات، عندما تناولت أسباب نجاح وفشل القادة، ربطتها بشروط تكوينهم؛ فنظرية السمات تفترض أن القيادة الناجحة ترتبط بصفات شخصية ثابتة تميز القائد الناجح، أما الموقفية فترى أن غياب الموقف والظرف الذي يحتاج إلى ظهور قائد، هو الذي يتوقف عليه النجاح. وفق النظرية السلوكية، فإن سلوك القائد وتصرفاته هي التي ترسم معالم النجاح أو الفشل لديه.
وفي اعتقادي، فإن النظريات الثلاث مجتمعة كلها تمثل مرتكزات النجاح، وغياب إحداها قد يكون أحد عوامل الفشل. إلا أن هناك عوامل أخرى جوهرية لم تتناولها هذه النظريات لها أهمية بالغة في نجاح القائد، ومن أبرزها عاملان اثنان: البطانة الصالحة، والمرؤوسون المخلصون المكلفون بأداء الواجبات.
فمن البديهي أن القائد بشر؛ فهما بلغ من القوة والحكمة، تظل قدراته محدودة، يخطئ ويصيب، ويحتاج إلى المشورة والرأي السديد، ولمن ينبهه إلى غفلته وهفواته قبل أن تتفاقم، ولمن يساعده في حمل أعباء الأمانة، من مرؤوسين أكفاء مخلصين لا يسيئون استخدام السلطة الممنوحة لهم. ولأن البطانة والمعاونين سلاح ذو حدين، ولا غنى عنه، فمن الحكمة عدم الإفراط في الثقة فيهم، وذلك بالاطلاع الدائم على كل المجريات، ومتابعة جميع الأحداث والأوامر والتعليمات، والتواصل الدائم مع الجميع، والاستماع إلى الشكاوى والمظالم، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، وألا تكون المواقف والقرارات مبنية على الوشاية والتحريض.
وفي الختام، فإن القيادة مسؤولية تُبنى على وعي مجتمعي يبدأ من الأسرة ويصقل بالتعليم والتدريب، إذ لا تستمد من المؤهلات التخصصية وحدها، ولا تُترك للفطرة دون تأهيل، بل تستوجب إعدادًا منهجيًّا واعيًا قبل إسنادها لمن يتولونها، ليكون لنا قادة قادرون على القيام بواجباتهم بسلاسة وانضباطية، مدركين ما يقومون به، معتمدين على معرفة راسخة نظرية وعملية بفن القيادة، وليس قائمًا على التجربة والحظ، التي دائمًا ثمنها باهظ، إن لم يكن كارثيًّا.

زر الذهاب إلى الأعلى