مقالات الرأي

جزيرة الفضيلة


قاسم صنبير


قصص وحكايات لا تكاد تُصدق في عالم تملؤه الزخرفة والأضواء البراقة تبهر الأبصار ولم تترك شاردة ولا واردة.
حياة ظاهرة بكل تفاصيلها، كل شيء يلمع كحبة ألماسة انجذبت الأنظار نحوها ودارت الروايات حولها.
هي المنظومة الرأسمالية حيث الرفاهية التي تحمل في ثناياها قيمًا وثقافة نبذ الآخرين من مفهوم الأخلاق.
يقوم النظام على الفردية طالما الفرد يسعى إلى تحقيق الربح فإنه يحقق إرادة جماعية، السعي وراء المصلحة الذاتية ليس رذيلة، بل فضيلة، المسؤولية الفردية بدل المسؤولية الجماعية وجملة من المبادئ حولت الإنسان إلى سلعة تتحدد قيمته بملكيته.
من هنا تُبرر كل الممارسات الرأسمالية باسم الحرية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتغليب الربح على العدالة والكرامة الإنسانية.
وبعيدًا عن النظريات الفلسفية فالواقع والممارسة أنتجت هوة كبيرة جدًّا بين الأفراد داخل المجتمع الواحد وبين الجماعات وبين الدولة، فالرأسمالية صاغت قوانينها لتحمي نفسها، ومن هنا ولد الاحتكار والاستغلال والاستعباد.
الواقع ليس ما تتناوله الصحف أو وسائل الإعلام التي جندت لتزيين الوجه القبيح للرأسمالية.
ما أُعلن عنه من فضائح في جزيرة جيفري إبستين ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. لعل الثورة الرقمية أسهمت في اكتشاف بواطن المنظومة الرأسمالية التي لا يحكمها أي رادع أخلاقي أو ديني فتسحق عشرات من أجل أن تتحقق رغبة رأسمالي معتوه.
كثيرًا يُرجح أن سلوك جيفري إبستين الشاذ كان فخًّا لإيقاع السياسيين والمشاهير في شبكته، وأتصور أن هذا خطأ الجميع وكل من حضر هناك يشاركه نفس التفكير والسلوك الشاذ.
هذا انعكس على ممارسة الدول الكبرى وهيمنتها على الدول الضعيفة وسحقها وإفقارها واستخدام كل الوسائل لإخضاعها دون مراعاة لآدمية الإنسان.
تخلق الحروب والنزاعات المسلحة لنهب الثروات، ليست اعترافات هوجون بركنز في كتابه الاغتيال الاقتصادي للأمم حيث توظف الرأسمالية المثمنة في البنوك والشركات الكبرى، موظفون بارعون في طرق الخداع والزيف باسم مساعدة الدول في تحقيق التنمية، وبالتالي تُرهقها بالقروض حتى يتم إغراق الدولة في الديون وفوائد الدين وتنتهب ثرواتها لعائلات رأسمالية تزداد ثراءً على حساب شعوب صغيرة تتطلع إلى التنمية.
وإن فشل أسلوب الخداع والغش تلجأ إلى الحروب ونشر الأمراض وإحداث الكوارث.
فجزيرة إبستين ليست فريدة، فكثير من الدول يمارس فيها ما يُمارس في جزيرة إبستين لتحقيق رغبات الأثرياء المعتوهين الذين يحكمون العالم وتصبح الشعارات جوفاء بلا معنى.
هذا السقوط المريع للغرب وتعارض ما يدعيه ليس جديدًا لو كان نيتشه حيًّا لما اندهش، فقد حذَّر مبكرًا من أخلاق تدعي الكونية وهي في الحقيقة أخلاق قوة متنكرة في ما وراء الخير والشر، فكك نيتشه الوهم القائل إن القيم تولد من الحقيقة أو العقل، مؤكِّدًا أنها تُولد من إرادة القوة، القيم ليست بريئة هي دائمًا تعبير عمَّن يملك حق تسميتها.
الخطاب الغربي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان هو نيتشويًّا أخلاق المنتصر التي قُدمت بوصفها أخلاقًا كونية، لكنها ما إن اصطدمت بمصالح النخبة حتى انكشفت هشاشتها، فضيحة جزيرة إبستين ليست سقوطًا أخلاقيًّا، بل لحظة عجز للأخلاق عن تبرير نفسها حين يُحمى الجاني لأنه قوي فتعلن القيم إفلاسها دون بيان رسمي.
أما فوكو ياما فسيذهب أبعد من الإدانة، لن يسأل من هو الشرير بل: كيف تعمل المنظومة؟ في عالم فوكو الأخلاق ليست معيارًا، بل تقنية لضبط حقوق الإنسان. القانون والخطاب الإنساني كلها أدوات في شبكة سلطة تُدير الأجساد تُصنِّفها وتقرر أيها يستحق الحماية وأيها قابل للتضحية.
جزيرة إبستين من هذا المنظور ليست فضيحة خارج النظام، بل مساحة خارجية ظاهريًّا فقط، ما جرى هناك هو الوجه العاري لما يُدار في الداخل: أجساد تُستعمل وتُشترى وتُمحى ملفاتها، السلطة لا تمنع الجريمة هي فقط تنظم من يُعاقب عليها.
النتيجة عالم بلا مركز أخلاقي وقيم تُتلى بلا إيمان وخطاب يُستهلك دون تصديق.
هنا يعود نيتشه مجددًا حين تموت القيم لا يولد العدم فورًا، بل يولد التطرف، محاولة يائسة لخلق معنى، حتى لو كان دمويًّا، التطرف لا ينافس المنظومة الأخلاقية الغربية إنه يملأ الفراغ الذي تركته.
فرض هذه المنظومة وتوظيف الجميع لخدمتها وإن اختلفت القيم الأخلاقية والدينية للمجتمعات يذكرنا بالقول الشهير للملك لويس الرابع عشر “أنا الدولة والدولة هي أنا” تعبيرًا عن الهيمنة المطلقة.
رغم تجميل الألفاظ وتلوين الكلمات فإنها تعني نفس المعنى الذي تناوله ترامب حين ضرب بعرض الحائط الأعراف الدولية قائلًا: “أنا لا يحكمني القانون الدولي فأخلاقي هي التي تحكمني” ما يعني أخلاق تلك الجزيرة.
الأزمات الاقتصادية والحروب والإرهاب وتجارة المخدرات وتجارة الأعضاء كلها تُدار وفق اشتراطات المنظومة الغربية التي تنتج التطرف ثم تحاربه حتى اختلطت المفاهيم وتم الترويج لمفاهيم غريبة عن المتعارف عليه، التدخل في شتى مناحي الحياة للمجتمعات، والدلائل كثيرة، وليس على منطقتنا العربية بغريب من تدخلات وفرض واقع يساير المنطق الغربي: الحرب على غزة احتلال ليبيا والعراق وسوريا إسقاط رموزها وقادتها بمبررات كاذبة فقط لإخضاعها.
ولا أستبعد أن اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي يخرج عن أوامر الغرب بتنفيذ أدواته المتطرفين من الإسلام السياسي وفقًا لطريقة الاغتيال التي عرفناها عن المتطرفين الإسلاميين فهي بصمتهم.
الغرب اليوم لا يواجه أعداءه، بل يواجه صورته بعد أن سقط القناع، لم يعد السر صادمًا ولا الخبر مقنعًا، في الفراغ لا يسود العدل ولا السلام، بل إدارة بارزة لانهيار طويل يُسمى على استحياء أزمة قيم، وهي النتيجة المنطقية لأخلاق أرادت أن تحكم العالم دون أن تخضع يومًا للحكم.

زر الذهاب إلى الأعلى