مقالات الرأي

قداس الدم المسفوك

بقلم / عفاف الفرجاني

ما جرى تداوله على منصات التواصل الاجتماعي في الأسبوع المنصرم صادم! ما كشف عنه بمصحة توليب في طرابلس ليس حدثًا عابرًا ولا مادة (للترند)، بل مؤشر خطير على انهيار عميق في منظومة القيم أولًا، والرقابة الصحية في ليبيا ثانيا.
المشاهد المتداولة لجثث مقطعة وبقايا أطراف بشرية محفوظة داخل ثلاجات وغرف عمليات تغمرها الأوساخ والعفونة تكشف عن جريمة مركبة تتجاوز الإهمال الطبي لتلامس حدود الاتجار بالإنسان والاستخفاف المطلق بحرمة الجسد. المكان لا يشبه مرفقًا صحيًّا بقدر ما يستدعي صور المقابر الجماعية أو مشاهد الإبادة الجماعية، حيث تمتزج رائحة الموت بالعفن، وتتحول الأجساد إلى أشياء بلا اسم أو كرامة.
حين يتحول مكان العلاج إلى مسرح للتلاعب والسمسرة والذبح المعنوي والمادي على أسرة المرضى يصبح السؤال أخلاقيًّا قبل أن يكون قانونيًّا. هذه الوقائع لا يمكن ردها إلى خطأ فردي أو تجاوز إداري، بل تعكس بنية انحراف سمحت بتراكم الانتهاكات في ظل غياب الردع. الأطفال الذين يفترض أن يكونوا رمزًا للحياة ظهروا كأشياء مخزنة، والمرضى كملفات مهملة بلا حماية. ذلك يكشف عن أن غياب المحاسبة فتح الباب أمام تحويل الطب إلى سوق سوداء تتفكك فيها الحدود بين العلاج والجريمة.
في هذا السياق لا يمكن التعويل على خطاب الدولة الغائبة أصلًا، فلو كانت هناك دولة فاعلة لما وصلت الانتهاكات إلى هذا الحد. المسؤولية اليوم تقع على عاتق القضاء بوصفه الملاذ الأخير للعدالة، والضامن الوحيد لردِّ الاعتبار للضحايا. على القضاء أن يتخذ إجراءاته الفورية والحاسمة بفتح تحقيقات جادة ومستقلة وتوقيف المتورطين ومنع طمس الأدلة ومحاسبة كل من شارك أو تستر دون استثناء. أي تردد أو تسويف سيعني شرعنة الجريمة وتشجيع انتقالها من مصحة إلى أخرى. العدالة هنا ليست مطلبا سياسيًّا، بل ضرورة إنسانية عاجلة، لأن ترك هذه الجرائم بلا حساب يعني تطبيعها. كما أن حماية المرضى واجب أخلاقي وقانوني لا يقبل المساومة ويتطلب قرارات قضائية رادعة وسريعة. الصور صادمة؟ نعم، لكنها ليست الأخطر، فالأخطر هو الاعتياد عليها.
هذه ليست جريمة عابرة، بل لحظة كاشفة لانهيار المعنى حين يغيب الردع وتستباح الأجساد باسم المهنة.
امتحان القضاء اليوم ليس في فتح الملفات، بل في كسر دائرة التطبيع مع الرعب واستعادة قدسية الإنسان بالقانون لا بالبيانات.
أما الصمت أو التأجيل فليس حيادًا، بل اشتراك غير معلن في جريمة لن يغفرها التاريخ ولا الذاكرة.

زر الذهاب إلى الأعلى