مقالات الرأي

القضاء الليبي تحت الاختبار

محمد بوخروبة

ما شهدته ساحة القضاء في ليبيا خلال الفترة الأخيرة لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا عابرًا أو تعبيرًا تلقائيًّا عن غضبٍ عام، بل يجب التعامل معه بصفته واقعة سياسية خطيرة تمس جوهر الدولة، وتستهدف أحد أعمدتها الأساسية، فالعاصفة التي اجتاحت مؤسسة القضاء لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تحريض منظم وخطط مدروسة، وصرفت من أجلها أموال واستخدمت فيها أدوات ضغط غير مشروعة، بهدف بث الفوضى وضرب الثقة في العدالة، والعبث بآخر حصن يلجأ إليه المواطن حين تغلق أمامه أبواب السياسة والإدارة.
القضاء في أي دولة حديثة ليس مجرد جهاز للفصل في النزاعات، بل هو الضامن الأعلى للحقوق، والحارس الأخير لمبدأ المساواة أمام القانون، والمرجعية التي تحتكم إليها المجتمعات حين تتعثر المؤسسات الأخرى، وفي الحالة الليبية تحديدًا اكتسب القضاء أهمية مضاعفة، لأنه ظل رغم الانقسامات والصراعات، أحد أقل المؤسسات تسييسًا وأكثرها تماسكًا نسبيًّا ومحل ثقة شريحة واسعة من المواطنين.
من هنا فإن استهداف القضاء لا يمكن فصله عن سياق أوسع يسعى إلى إعادة إنتاج الفوضى، وتقويض فكرة الدولة المدنية وإفراغ مفهوم سيادة القانون من مضمونه، فحين تضرب العدالة لا يفتح الباب فقط أمام الإفلات من العقاب، بل يهدم الأساس الذي تقوم عليه المصالحة الوطنية، ويتفكك النسيج الاجتماعي وتدفع المجتمعات نحو منطق القوة بدل منطق الحق.
إن خطورة هذه اللحظة تكمن في محاولة تسييس القضاء، وتحويله من سلطة مستقلة إلى طرف في الصراع، وهو مسار إن نجح فلن تكون له نتائج جزئية أو مؤقتة، بل سيؤسس لمرحلة جديدة من اللايقين، حيث تصبح الأحكام محل تشكيك ويفقد المواطن ثقته في العدالة ويفتح المجال أمام أشكال بديلة وخطيرة من التحكيم خارج إطار الدولة.
لقد أثبتت التجارب المقارنة دون استثناء، أن الدول التي سمح فيها بالعبث باستقلال القضاء لم تستقر سياسيًّا ولم تنجح اقتصاديًّا ولم تحقق مصالحة حقيقية، فالعدالة ليست ترفًا مؤسسيًّا، بل شرط وجود، وقد عبر رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل عن هذه الحقيقة بوضوح بعد دمار الحرب العالمية الثانية حين قال: “ما دام القضاء بخير فبريطانيا بخير”، لم تكن تلك مقولة رمزية، بل تعبيرًا عن وعي استراتيجي بأن إعادة بناء الدولة تبدأ من حماية العدالة لا من تسييسها.
في ليبيا حيث عانت الدولة من انهيار في وظائفها الأساسية، وتآكل في ثقة المواطن وتعدد في مراكز القوة، ظل القضاء أحد آخر المعاقل التي حافظت على الحد الأدنى من مفهوم الدولة، واستهداف هذا المعقل يعني عمليًّا استهداف فكرة الدولة نفسها، وتحويلها إلى كيان هش تحكمه التوازنات المؤقتة لا القواعد المستقرة.
إن الدعوات التي ترفع اليوم تحت عناوين الإصلاح أو التصحيح، لكنها تستخدم التحريض والضغط والتشويه، لا تخدم العدالة، بل تقوضها، فالإصلاح القضائي مسار مؤسسي وقانوني لا يدار عبر الشارع ولا عبر الحملات الإعلامية الموجهة، ولا عبر تخوين القضاة أو التشكيك الجماعي في ذممهم، الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسة، عبر آليات المساءلة المهنية والتطوير الإداري وتعزيز الشفافية، لا عبر كسر هيبة القضاء وإضعافه أمام الرأي العام.
وفي هذا السياق تبرز مسؤولية تاريخية على عاتق رجال ونساء القضاء في ليبيا. مسؤولية تتجاوز الوظيفة، وتمتد إلى حماية المؤسسة من الانقسام، والحفاظ على وحدتها والوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة محاولات الاختراق والتسييس، فالتماسك الداخلي للقضاء ليس مسألة إدارية، بل خط الدفاع الأول عن استقلاله، وأي شرخ في هذا التماسك سيستغل فورًا من قبل من يسعون إلى إخضاع العدالة لمعادلات القوة.
لكن المسؤولية لا تقع على القضاء وحده، فالنخب السياسية مطالَبة اليوم بموقف واضح لا لبس فيه، إما الدفاع عن استقلال القضاء أو تحمل مسؤولية الانزلاق نحو الفوضى، الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل تواطؤ ضمني، كما أن الإعلام بوصفه سلطة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، مطالب بالتمييز بين النقد المهني المشروع وبين التحريض الذي يضرب الثقة في مؤسسة سيادية.
لا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد دون قضاء مستقل، ولا عن مصالحة وطنية دون عدالة موثوقة، ولا عن دولة قانون في ظل قضاء مسيَس أو مستهدف، وكل محاولة للفصل بين هذه المفاهيم هي محاولة لتجميل واقع مختل، فالعدالة ليست بندًا تفاوضيًّا ولا ورقة ضغط ولا ملفًّا يفتح ويغلق بحسب موازين السياسة.
إن ليبيا في هذه المرحلة المفصلية بحاجة إلى رسالة واضحة، القضاء خط أحمر، ليس لأنه فوق النقد، بل لأنه فوق العبث، فالنقد يصلِح، أما العبث فيدمِّر، وكل من يظن أن إضعاف القضاء سيمنحه مكسبًا سياسيًّا مؤقتًا، سيفاجأ بأن الخسارة ستكون شاملة، وأن الفوضى حين تطلق لا تعود إلى القمقم.
إن الدفاع عن القضاء اليوم هو دفاع عن حق المواطن، وعن فكرة الدولة وعن المستقبل السياسي للبلاد، وإبعاد القضاء عن العبث السياسي ليس مطلبًا فئويًّا، بل ضرورة وطنية، فإما أن نصون العدالة ونحمي استقلالها ونسمح لها بأن تقوم بدورها كاملًا، أو نقبل بأن ندخل مرحلة لا مرجعية فيها إلا القوة ولا ملاذ فيها إلا الفوضى.
وفي بلد أنهكته الصراعات، قد يكون الحفاظ على القضاء متماسكًا ومستقلًا هو آخر فرصة حقيقية لإنقاذ الدولة من الانهيار الكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى