ثقافةُ الاحتواءِ لها لسان لا يُدركُ أبجديّتَهُ إلا إنسان

بقلم/ سعاد الجروشي
ثقافة الاحتواء ممارسة إنسانيّة عميقة، ولسانُ روحٍ حين تسمو، وبوصلة وعي حين يختار الإنسان أن يكون إنسانًا بحق. هو لسانٌ صامت لا تنطقه الكلمات بقدر ما تعبِّر عنه المواقف، ولا تُدرَّس أبجديَّتُه في الكتب، بل تُكتسب بالمحبَّة، ويُتقن بالوعي، ويُمارَس حين نضع إنسانيَّتنا قبل آرائنا.
الاحتواء هو قدرة الإنسان على تقبُّل الآخر كما هو، بفهم وتعاطف واحترام، دون أحكامٍ مُسبقة أو إقصاء أو تقليل. هو إدراك عميق أن البشر لا يتشابهون في الألم، ولا في طرائق التعبير عنه؛ فما يبدو قسوة قد يكون وجعًا متراكمًا، وما يُفسَّر جفاءً قد يكون خوفًا دفينًا لم يجد طريقه للبوح.
والاحتواء لا يكون ادعاءً يُقال، بل سلوكًا يُمارَس. لا يتجلى في الكلمات وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة: في نبرةٍ دافئة، وفي صمتٍ واعٍ، وفي مساحة أمان نخلقها للآخر كي يعبِّر عن نفسه دون خوف. هو أن نصغي إلى الوجع دون استعجال النصيحة، وأن نحترم المشاعر حتى وإن لم نفهمها كاملة، وأن نحتضن الخطأ دون تبريره، والاختلاف دون إلغائه. إنه شجاعة أخلاقيَّة، لأن الاحتواء يحتاج قلبًا واسعًا، لا عقلًا متحفزًا للانتصار.
وحين تسود ثقافة الاحتواء، يقلُّ الاحتقان، وتلين العلاقات، ويغدو المجتمع أكثر تماسكًا. فالإنسان لا يزدهر في بيئة الحكم، بل ينمو في بيئة الفهم، ولا ينهض حين يُطالب بالكمال، بل حين يُقبل بإنسانيَّته. وعندما يغيب الاحتواء، تتحوَّل اللغة إلى أداة إقصاء، ويصبح الحوار ساحة صراع، وتُستبدل جسور الفهم بجدران عالية من الأحكام. أما حين يحضر، يتغيَّر شكل العلاقات، ويصبح الاختلاف ثراءً، والقبول فعل وعي لا علامة ضعف.
ثقافة الاحتواء ليست ضعفًا، بل قوة أخلاقيَّة؛ لسانها الرحمة، وأبجديَّتها الوعي، وأثرها إنسان أكثر اتزانًا ومجتمع أكثر سلامًا. وفي زمنٍ يضيق بالناس رغم اتساعه، تبقى ثقافة الاحتواء ضرورة لا ترفًا، وقيمة لا خيارًا، وطريقًا لبناء مجتمع يرى الإنسان قبل أن يحاكمه، ويحتضن الاختلاف قبل أن يخشاه. فليس كل من تكلَّم أدرك، ولا كل من سمع فهم.. وحده الإنسان من أتقن أبجديَّة القلب.
