بين طوابير الخبز وصفوف الوقود وامتيازات السلطة

بقلم/ حامد الحضيري
كيف تحوَّل المواطن من صاحب حق إلى عبء على دولة بلا بوصلة اقتصادية ولا ضمير سياسي؟ في بلد يُجبر فيه المواطن على بيع مقتنياته من أجل توفير قطعة خبز لأطفاله، ويقضي يومًا كاملًا في انتظار بضعة لترات من الوقود وقد لا يتحصل عليها، يصبح الحديث عن “الإصلاح الاقتصادي” و”رفع الدعم” على لسان بعض المسؤولين إهانة صريحة لا سياسة عامة. فحين يقف المواطن في طابور الحياة، وتأتيه الأخبار عن نائب يرى أن مرتبًا يتجاوز عشرين ألف دينار غير كافٍ له، بينما يطالب آخر برفع الدعم عن المحروقات، فإننا لا نكون أمام اختلاف في الرؤى، بل أمام انفصال كامل بين السلطة والواقع.
ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة ولا ضائقة مؤقتة، بل نموذج مكتمل للاحتقار المعيشي؛ احتقار حين تُترك العائلات رهينة السوق السوداء، واحتقار حين تُدار الأزمات دون محاسبة، واحتقار حين يُطلب من المواطن التقشف بينما تُحمى الامتيازات السياسية بقوانين وقرارات عاجلة.
الدولة في معناها البسيط هي عقد: نلتزم مقابل أن نُحمى. لكن حين يُفرغ هذا العقد من مضمونه، ويتحوَّل المواطن إلى رقم في طابور أو عبء في خطاب رسمي، فإن ما يسقط ليس الدعم فقط، بل الشرعية الأخلاقية قبل السياسية، والأخطر من الفقر نفسه هو تطبيع الإهانة.
أن يُقنع المواطن بأن معاناته قدر، وأن يُصوَّر الفشل على أنه ضرورة اقتصادية، وأن تُبرَّر القرارات القاسية على الفقراء بينما تُصان مكاسب الطبقة الحاكمة من أي مساس.
وفي ظل غياب الشفافية، وتفكك المؤسسات، وتشكيك الناس حتى في انتماء بعض من يتصدرون القرار، يصبح السؤال مشروعًا: هل تُدار الدولة لمصلحة شعبها، أم يُدار الشعب ليبقى صامتًا؟
إن رفع الدعم في دولة بلا نقل عام، بلا رقابة حقيقية، بلا عدالة في توزيع الدخل، ليس إصلاحًا، بل تحميل للفشل على أكتاف الأضعف. وإن المطالبة بزيادة مرتبات المسؤولين في زمن الجوع ليست حقًا مكتسبًا، بل سقوط أخلاقي. الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر طويلًا على الاحتقار.
وما يُخيف اليوم ليس غضب الناس، بل وصولهم إلى مرحلة الشعور بأنهم لا يُرون ولا يُسمعون. في هذه اللحظة بالذات تصبح الكلمة الصادقة واجبًا، والصمت تواطؤًا، والتاريخ لا يرحم من اختار الامتياز على حساب الكرامة.
(ولا حول ولا قوة إلا بالله).. عاش الشعب.
