ضجيج الحضور وغياب الجوهر

بقلم/ فرج بوخروبة
بين يدي هذا المخاض العسير الذي تعيشه ليبيا، لا يغدو الإعلام مجرد صدى للأحداث، ولا تجلس الثقافة في مقاعد المتفرجين كترف فكري يتلهى به المترفون، بل هما في جوهر الأمر خندق الوعي الأخير الذي يذود عن حياض الهوية ومستقبل الأجيال. في بلاد تتقاذفها أمواج السياسة المتلاطمة، وتتحكم في مفاصلها نداءات القبيلة وهدير السلاح، ينبثق السؤال الوجودي الأكثر إلحاحا: هل يمتلك الإنسان الليبي اليوم درعًا من الوعي يحميه من السقوط في هاوية الفوضى المطلقة، أم أن أدوات صناعة العقل، من إعلام وثقافة، قد استدرجت لتصبح معاول لهدم ما تبقى من جسد الدولة وإعادة إنتاج الأزمة في قوالب جديدة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي غوصًا عميقًا في بنية الخطاب السائد، وتفكيكًا لتلك الروابط المعقدة بين السلطة والكلمة، وبين المثقف وواقعه المثخن بالجراح.
إن المتأمل في الفضاء الإعلامي الليبي اليوم، يرى مشهدًا سرياليًّا بامتياز، إعلامًا بلا بوصلة وطنية موحدة، بل بوصلات متعددة تشير كل واحدة منها إلى شمال مختلف، يحدده الممول أو تمليه الأجندة العابرة للحدود. لقد تحولت الشاشات والمنصات من مرايا تعكس وجع الشارع وآماله البسيطة، إلى مختبرات لصناعة واقع بديل، حيث تحقن الحقائق بلقاحات التضليل، وتصنع البطولات الوهمية في غرف التحرير المظلمة. هذا التشظي الإعلامي لم يترك لليبي مساحة لليقين، بل أغرقه في بحر من السيولة الخبرية، حيث الحقيقة وجهة نظر قابلة للتفاوض، والوطن ساحة للمزايدات العلنية. إن الخطورة الحقيقية هنا لا تكمن في غياب المعلومة، بل في تخمرها داخل أوعية حزبية ضيقة، ما يجعل الوعي العام حالة من التيه الدائم، وعجزًا مستمرًّا عن صياغة موقف وطني جامع يتجاوز ضجيج الشعارات الزائفة.
أما الثقافة في ليبيا، ذلك الإرث الضارب في عمق التاريخ بتنوعه وثرائه المذهل، فهي اليوم تعيش حالة حصار غير معلن، حصار يفرضه الخوف وتغذيه الفرقة. إن المثقف الليبي، الذي يفترض به أن يكون منارة تهدي التائهين في ليل الأزمة، يجد نفسه مكبلًا بين مطرقة الانقسام السياسي الذي يطالبه بالانحياز الأعمى، وسندان الرقابة الاجتماعية والأيديولوجية التي ترى في كل فكرة طليعية تمردًا، وفي كل نقد بناء مؤامرة مشبوهة. لقد أصبحت القاعة الثقافية ساحة ملغومة، والكلمة الحرة مغامرة كبرى قد تؤدي بصاحبها إلى دهاليز التخوين أو العزل الاجتماعي الممنهج. لكن الفاجعة الحقيقية تكمن في غياب الإدراك الجماعي بأن الثقافة ليست زينة للرفوف أو نشاطًا نخبويًّا معزولًا، بل هي العمود الفقري الذي يمنع المجتمع من الانحناء أمام رياح الدعاية الشعبوية والخطاب التحريضي العنيف. فبدون ثقافة نقدية حرة، يسهل اقتياد الجماهير خلف شعارات براقة تخفي في طياتها بذور الدمار المستدام.
إن الوعي العام الليبي اليوم يواجه معضلات كبرى، تشبه الجبال الراسيات في طريق النهوض والتعافي. أولاها، صمت العارفين، فخوفًا من الهجوم الشرس أو الإقصاء، اختارت النخبة الواعية الانكفاء خلف جدران الصمت الموحش، ما ترك الساحة شاغرة للغوغائية لتقود الرأي العام وتوجهه نحو مزيد من الصدام. وثانيتها، جفاف الثقة المتبادلة، فالمواطن الذي لدغ من وعود الساسة ومنصاتهم الإعلامية مرات ومرات، بات ينظر إلى كل مبادرة، حتى لو كانت صادقة ومنزهة، بعين الريبة والتشكيك، وهذا الانعدام في الثقة هو التربة الخصبة التي تنمو فيها الشائعات وتزدهر. أما الثالثة فهي طغيان العاطفة الجياشة على العقل الرصين، إذ في زمن الحروب والأزمات المعيشية الطاحنة، يصبح الصوت العالي والمؤثر عاطفيًّا أقوى أثرًا من التحليل الهادئ والمنطق السليم، ما يجعل المجتمع يقتات على الانفعالات اللحظية العابرة بدلًا من البناء على رؤى استراتيجية صلبة.
ولكن، وبرغم هذا القتام الذي يلف المشهد، هل يمكن للإعلام والثقافة أن يقلبا الطاولة ويعيدا تشكيل الواقع؟ إن الإجابة تكمن في الإرادة الجمعية، شريطة أن ينفضا عن كاهلهما غبار التبعية والارتهان للخارج. إن الإعلام الليبي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة أخلاقية شاملة تسبق أي تطور تقني، لينتقل من كونه ناقلًا سلبيًّا للحدث أو محرضًا عليه، إلى صانع حقيقي للمعرفة، ومؤسسة وطنية تحترم عقل المتلقي وكرامته بدلًا من استغلال عواطفه المشتعلة. والثقافة بدورها يجب أن تكسر قيودها وتخرج من صالونات النخبة الضيقة لتمشي في الأسواق، وتدخل البيوت، وتصبح مشروعًا وطنيًّا يهدف إلى التحصين الأخلاقي والفكري ضد رياح التطرف والفرقة.
إن هذا التغيير المنشود ليس مسؤولية دولة قد تكون هي نفسها جزءًا أصيلًا من الأزمة وبنيتها، بل هو مسؤولية آحاد الأفراد الذين قرروا أن يكونوا أحجار الزاوية في بناء ليبيا الجديدة. إنه يبدأ من ذاك الصحفي الذي يقدس الحقيقة ويضعها فوق كل اعتبار، ومن الكاتب الذي يكتب بمداد من شجاعة لا تداهن ولا تجامل، ومن المعلم الذي يزرع في تلاميذه ملكة النقد والتفكير لا آليات الحفظ والتلقين، ومن الأسرة التي تدرك بعمق أن الحوار هو اللغة الوحيدة القادرة على بناء الأوطان وحماية الإنسان. إن الوعي ليس مجرد معلومات نكدسها في الرؤوس، بل هو سلوك يومي وانتماء حقيقي لقيم الجمال والخير والحق.
إن ليبيا ليست دولة عاجزة عن النهوض، بل هي دولة في حالة مخاض تاريخي عسير، والوعي العام فيها ليس ترفًا ذهنيًّا أو رفاهية فكرية، بل هو تذكرة عبورنا الوحيدة نحو المستقبل الآمن. إن الشعب الليبي، الذي صهرته الأزمات المتلاحقة وزادته الأيام صلابة، يمتلك في جيناته وعيًا فطريًّا بالعدالة ورفضًا عميقًا للظلم، لكنه يحتاج اليوم إلى بيئة إعلامية وثقافية تحترم هذا الوعي وتعمل على تنميته وتأطيره، لا أن تقمعه بالخوف أو تضلله بالأكاذيب.
الخاتمة التي يجب أن تظل محفورة في وجداننا جميعا هي أن المعركة الحقيقية في ليبيا ليست معركة على آبار النفط ولا على كراسي الحكم الزائلة، بل هي في جوهرها معركة على العقل الليبي؛ فإما أن يبنى هذا العقل بالإعلام الصادق والثقافة المستنيرة ليكون حارسًا أمينًا للوطن، أو يترك نهبًا للجهل والتضليل ليكون وقودًا لحروب عبثية لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. إن الطريق طويل وشاق، لكنه يبدأ بخطوة واحدة نحو الحقيقة. ليبيا تستحق وعيًا يليق بعراقة تاريخها، وشعبًا يختار مستقبله بعين بصيرة وقلب لا يعرف الرهبة من مواجهة الواقع كما هو، ليرسم بمداد الأمل فجرًا جديدًا يليق بأحلام الليبيين وتضحياتهم.
