الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت26

المهدي أمبيرش
هذه المداخلات التي نعرضها، القصد منها ليس إظهار عبقرية اللسان العربي المرتبطة بمنهج التفكير، الذي يقول الحقُّ فيه إنه لسان غير ذي عوج، لأنه يصدر عن منهج تفكير هو غير ذي عوج. ولنا أن نلاحظ في قوله تعالى “غير ذي عوج” خلاف ما لو قلنا أعوج، فغير ذي عوج ليس أعوج في ذاته، ولا يصاحبه الاعوجاج. وقوله تعالى إنه مُبين، أي بيِّنٌ في نفسه مُبَيِّنٌ لغيره، ولهذا تسقط دعاوى الكهنة الذين يدَّعون تفسير القرآن الكريم، فهو كتاب فصِّلت آياته من لدن عليم حكيم، وأنه تعالى يسَّره للذكر، أي سهله للناس، وهنا يكون الفرق بين القرآن الكتاب الذي هو مشروع للقراءة، والذي بدأت أولى آياته “اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق”. فالأمر هنا بالقراءة، والقراءة ليست التفسير ولا الشرح ولا التأويل، بل هي قراءة بيانية، فالله سبحانه وتعالى هو من بينه لرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول بلغ الناس به، فلا تأويل لأن الله هو الأول، ولا مسافة تفصل الله عن عباده كتصور اللاهوتيين، ومن أهمهم وأقدمهم سقراط وأفلاطون، وكلاهما قالا كما يقول الكثيرون اليوم إن الله في السماء، وبهذا يبررون التأويل والبحث عن مفسر وشارح.
هذا الفراغ الوهمي يفرض البحث عن وسيط، وهذا الوسيط في الخرافات القديمة ليس بشرًا عاديًّا، بل يفرض عليهم هذا الوهم أن يكون نصف إله ويتصورونه على أن نصفه الأعلى إلهي، ونصفه الأدنى بشري، وهنا تبرز مشكلة قديمة متجددة تتعلق بمشكلة المعرفة والتعبير عنها.
لقد أشرنا في مداخلات سابقة أن الأزمة بدأت من آدم عليه السلام وزوجه، اللذين توهَّما أن بمقدورهما أن يدركا المطلق من خلال ثمار الشجرة، أي أن الثمار هي الوسيط بين آدم وزوجه البشريين والمطلق، ولهذا فشل آدم وزوجه، وكانت رمزية العراء انكشاف الإنسان أمام نفسه أنه محدود، ومن ثَم لا يمكن أن يدرك المحدود المطلق بداهةً، وهي أزمة لا تزال قائمة إلى اليوم. فالسلفية اليوم تكشف -كما هي دائما- عن أزمة معرفية، فبدل أن يعترف الإنسان بمحدوديته وأن يتقدم في المعرفة التي ليست العلم، بل بعض العلم، ولنتصور من خلال الشجرة التي اقترب منها آدم أن الشجرة هي العلم، وأن المعرفة هي فرع العلم وليست العلم، ومن ثَم كان خطأ آدم في الوسيلة، فهو لم يتوهم فقط أن الشجرة هي العلم، ولا أن الفرع هو بعض العلم، وأن الثمرة هي المحدود من المحدودين. ربما نقول هنا إن الشجرة كانت ولا تزال مضرب المثل في حل مشكلة المعرفة، ونذكر أولًا التشبيه والتمثيل للشجرة الطيبة في القرآن، مع علمنا أن التشبيه والتمثيل ليس على وجه الحقيقة، مثل قولنا فلان كحاتم الطائي، فهو ليس حاتم الطائي، بل يأتي بعده في الوصف أنه كريم.
ومعرفيًّا لا بد أن نكون على معرفة ببناء الجملة العربية والبلاغة ومهمة التشبيه والتمثيل، وأن نكون على معرفة بحاتم الطائي من خلال الأخبار أنه كان كريمًا، ولكنَّ وجه الشبه بينهما وهو اسم المعنى (الكرم)، هو اسم معنى لا يمكن تعريفه ولا إدراكه مثل الخلد، أو الجمال وغيره.
في العصر الحديث وضمن هذه الأزمة المعرفية قرأنا الفرنسي ديكارت وهو من رواد المدرسة الوضعية الفرنسية 1596-1650، والذي حسب موقفه الوضعي لا يرى أن الحقيقة في السماء، بل على الأرض، ومصطلح secularism التي تترجم خطأً إلى العربية على أنها العولمة، ولكن الصواب (الأرضنة)، لأن الوضعيين الفرنسيين يرون أن الحقيقة على الأرض.
لقد ضرب ديكارت مثلًا لما يسمى الحقيقة الوضعية بشجرة الفلسفة التي يضع جذورها وتمثل الميتافيزيقا، وأن بقية المعارف هي فروعها، ولكن، وهذا ما غفل عنه الكثيرون، أن شجرة ديكارت تقول إن الفلسفة أو الميتافيزيقا بالمنظور الوضعي ليست في السماء، بل هي تحت الأرض، ومن يرد الحقيقة فعليه أن يبحث عن الجذور، والمعلوم أن المدرسة المادية بعامة والوضعية فرع منها تنكر أي معرفة قبلية خلاف سقراط وأفلاطون والمدرسة الألمانية المثالية. وهنا نفهم العلاقة بين الوضعية المادية الفرنسية والمدرسة اليهودية، فكارل ماركس 1818-1883، يستخدم تقانة الحفر (الأركيولوجي)، أي أن الحقيقة هي في الذي تحقق، وأن بداية التاريخ الحقيقي من سفر التكوين في ما يسمى بالعهد القديم، وكلنا يعرف أن الذي قاد ما يسمى الثورة الأمريكية والفرنسية هم الماسونيون، وأن شعار ما يسمى بالثورة الفرنسية: الحرية، والإخاء، والمساواة، هي شعار الماسونية إلى اليوم، وأن المفكرين الفرنسيين الذين مهَّدوا بالانقلاب الفرنسي مثل جان جاك روسو، وڤولتير، وكتّاب ما عرف بالموسوعة الفرنسية أغلبهم من الماسونية، ولا تزال المدرسة الوضعية الفرنسية تحت تأثير الماسونية. وإذا كان ديكارت قد تحدث عن جذور الشجرة وهو من قاد ما يسمى بالحداثة، وهو اتجاه يقول بالعقلانية، وقد أثَّر هذا كثيرًا في كتاب العرب الذين كتبوا في ما يسمى بالأسلوبية التي تهتم بالسياقات في الكتابة، فإن مدرسة ما بعد الحداثة، ومن رموزها يهود، كذلك تذهب خلاف تلك المدرسة، ومن أهم أقطابها جيلدولوز ورولان بارت وميشيل فوكو، وهو يهودي تفكيكي، قد أتى بمصطلح آخر خلاف ديكارت، فقد قدم الجذمور (rhizome)، وعنده لم يعد جذر الشجرة كما ديكارت، بل النباتات التي تنشر جذورها تحت الأرض، وربما ستكون لنا دراسة لديكارت ومن يعرفون بفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، وبالتأكيد سوف تظهر مدرسة أخرى ما بعد بعد الحداثة، لأن المدرسة المادية كلما تأزمت أنتجت مصطلحًا، ويكون الكتَّاب العرب من يفتحون أفواههم وآذانهم لهذه المصطلحات دون أن يدركوا الأسس المنهجية والفكرية وراء هذه المصطلحات، فهذه المصطلحات لا ينفع فيها استخدام المعاجم لأنها مشحونة بمفاهيم مناهج تفكير أصحابها، ومن ثَم لابد أن يتم البحث في مناهج التفكير وفي الألسن وبعدها في اللغة.
هذه المقدمة نريد منها أن تساعدنا في قراءة الخلاف في الخطاب واللغة واللسان الذي تم بين السفسطائيين المتكلمين من جهة وسقراط وأفلاطون من جهة وأرسطو المقدوني الوسيط، كما أننا سنقرأ الخلاف الذي حصل بينهم كالذي عرف عندنا بالمدارس الكلامية والمتأثرة بالمفكرين الإغريق كما نقرأ ما يسمى بمدارس الفكر والفلسفة في أوروبا أنها معارك كلامية لأنها تعتمد على اللاهوت القديم وعلى الميراث الإغريقي.
