مقالات الرأي

ترامب.. الرئيس المناسب للمهمة القذرة

عبدالفتاح الشريف

لم تكن عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الرئاسية الثانية مجرد تبدل في الأسلوب، بل انقلابًا في الوظيفة؛ لأن السياسات التي اتبعها لا تشبه نزوات رئيس متهور بقدر ما هي تنفيذ صريح لمشروع طال انتظاره. لقد انتهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة خارجية اتسمت بالتصعيد والتدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى وتحدي المنظومة الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. وقد عكست هذه السياسة نزعة أحادية واضحة تقوم على فرض الإرادة الأميركية بالقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، حتى ولو جاء ذلك على حساب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.
حيث تميزت سياسة ترامب الخارجية بتدخل غير مسبوق في الشؤون الداخلية لعدد من الدول، سواء عبر الضغط السياسي أو التهديد العسكري أو العقوبات الاقتصادية. فقد صعّد ترامب لهجته تجاه دول عديدة ولوّح بفرض تعريفات جمركية واسعة على معظم دول العالم، بما فيها دول حليفة في أوروبا وآسيا، في خطوة أثارت مخاوف من اندلاع حرب تجارية عالمية جديدة.
ولم تقتصر هذه السياسات على الاقتصاد بل تعدتها إلى المجال العسكري، حيث أقدم ترامب على الهجوم على إيران دعمًا للدولة الصهيونية بما يضمن تفوقها العسكري في الشرق الأوسط، كما اعتدى على فنزويلا واختطف الرئيس نيكولاس مادورو في سابقة خطيرة تمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ سيادة الدول لتعيد إلى الأذهان نماذج تغيير الأنظمة بالقوة.
فبعد قراره بنقل السفارة الأميركية إلى القدس أثناء فترة رئاسته الأولى والاعتراف بسيادة الدولة الصهيونية عليها متحديًا بذلك الدول العربية والإسلامية والقرارات الدولية بالخصوص، واصل ترامب تقديم دعم غير محدود للدولة الصهيونية سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، متجاهلًا الانتقادات الدولية الواسعة بشأن الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية. كما عملت إدارته على تحييد أي أطر قانونية دولية يمكن أن تحاسب دولة الكيان الصهيوني، وهو ما تجلّى بوضوح في انسحاب الولايات المتحدة من محكمة الجنائيات الدولية، في خطوة اعتُبرت ضربة قوية لمنظومة العدالة الدولية، والتي توّجت بعقوبات أمريكية لمدعي عام وقضاة المحكمة في أعقاب صدور مذكرة التوقيف الدولية بحق مجرم حرب الإبادة الجماعية نتنياهو وشركائه في جرائم الإبادة الجماعية.
وقد أصبحت علاقات أمريكا الخارجية تقاس بعلاقة هذه الدول مع دولة الكيان الصهيوني، كما حدث مع دولة جنوب أفريقيا التي رفعت دعوى قضائية ضد الدولة الصهيونية، والتي تعرضت لحملة سياسية وإعلامية معادية قادتها وزارة الخارجية الأميركية وصلت إلى التهديد بالتدخل لحماية البيض مما سمّته سياسات الاضطهاد والتمييز العنصري.
وتأكيدًا على عدم اكتراث إدارته بالقضايا البيئية العالمية، أعلن ترامب انسحاب بلاده من قمة المناخ رغم التحذيرات المتزايدة من تداعيات التغير المناخي، مما يعكس رؤية ضيقة للمصالح القومية وتجاهل المسؤولية المشتركة تجاه مستقبل الكوكب. حيث فضلت إدارة ترامب خدمة المصالح الآنية للشركات الأميركية على حساب مستقبل الكوكب، مؤكدة بذلك أن هذه الإدارة لا تعترف إلا بمنطق الربح والخسارة حتى ولو كان الثمن دمارًا بيئيًا عالميًا.
ومن أكثر التصريحات إثارة للجدل، تهديد ترامب باحتلال جزيرة غرينلاند وضمها إلى الولايات المتحدة، رغم كونها إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع للدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي. هذا التهديد لم يُنظر إليه فقط كتصريح عابر، بل كمؤشر خطير على استعداد الإدارة الأميركية لتجاوز الخطوط الحمراء في التعامل حتى مع الحلفاء، في محاولة وقحة لتحويل الجغرافيا إلى غنيمة اقتصادية.
أثار إعلان ترامب مؤخرًا عن إنشاء ما سُمّي بـ«مجلس السلام» نقدًا واسعًا من معظم دول العالم التي أدركت أنه يسعى من خلال مبادرة غزة لتصفية القضية الفلسطينية والالتفاف على الأمم المتحدة والسيطرة على النظام الدولي ليصبح سيدًا لأمم متحدة جديدة خاضعة لسيطرته، كما يتضح من خلال الصلاحيات الواسعة التي يمنحها ميثاق المجلس للرئيس ترامب ليتفرد بالسلطة، وهو ما دفع دولًا محورية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا بالإضافة إلى النرويج والسويد وكندا إلى رفض الانضمام إلى هذا الكيان الهجين الذي لا علاقة له بالسلام ولا يحمل من السلام إلا اسمه.
وهنا نطرح السؤال المهم: هل هذا التغيير المفاجئ في السياسة الخارجية الأميركية والداخلية أيضًا يرجع إلى جنون ترامب وتهوره، أم أن دوره تنفيذ المشروع الذي رسمته المؤسسات واللوبيات النافذة التي تصنع السياسات وتحدد من يسمح له بالوصول إلى البيت الأبيض وتحول دون وصول من يعترض على مشروعها؟
وإجابة هذا السؤال تتلخص في أن ما يجري ليس جنون ترامب وحده ولا مشروع المؤسسات وحده، بل تلاق خطير بين الاثنين؛ أي أن ترامب ليس مهندس هذا المشروع لكنه الإدارة المثالية لتنفيذه، لأن المؤسسات واللوبيات النافذة في الولايات المتحدة، وخاصّة المجمع العسكري الصناعي ولوبيات الطاقة والسلاح والمصارف والتيارات المتطرّفة، كانت تبحث منذ سنوات عن كسر قيود النظام الدولي والتحلل من الأزمات وإعادة تعريف الهيمنة الأميركية بالقوة. أي أن هذا المشروع كان في انتظار مجيء الرئيس الذي لا يكثر بالحديث أمام الرأي العام ولا يؤمن بالمؤسسات الدولية ولا يحترم الأعراف الدبلوماسية ولا يتردد في الصدام مع الحلفاء قبل الخصوم.

زر الذهاب إلى الأعلى