المنظومة المضطربة: تآكل فلسفة الدولة تحت غطاء المؤسسات

بقلم/ فرج بوخروبة
ليبيا ليست دولة في أزمة، بل هي أزمة في فهم الدولة نفسها. فما تعيشه البلاد منذ 2011 ليس مجرد خلاف سياسي أو انهيار اقتصادي، بل هو تفكيك العلاقة الجدلية بين السلطة والمشروع الوطني، حيث تحولت المؤسسات من أدوات للحكم إلى ساحات للتنافس على الشرعية. النتيجة: مجتمع يعيش تحت سلطة بلا دولة، ومؤسسات تفتقر إلى الإجماع على المرجعية الدستورية.
اللحظة التأسيسية: عندما انهار الإطار دون بديل: لم تكن المشكلة في تفكيك الدولة المركزية، بل في غياب الرؤية البديلة. فبينما أهمل بناء مؤسسات جامعة، ظهرت “شرعيات متعددة” تدعي الحصرية: مجلس النواب (2014)، الذي يفتقر اليوم إلى التمثيل الشعبي بسبب المقاطعة وعدم التجديد، لكنه يبقى الجهة التشريعية الوحيدة من الناحية القانونية. مجلس الدولة الاستشاري، الذي تحول من هيئة توافقية إلى طرف شرعي فاعل بفعل الفراغ الدستوري والدعم الدولي المتقلب.
الصراع اليوم ليس بين “الشرق والغرب”، بل بين مفهومين للحكم: الشرعية الانتخابية مقابل الضرورة التوافقية. كل طرف تنفيذي يستند إلى تشريعي مختلف، ما يخلق حالة من الازدواجية المؤسسية تفرغ مفهوم الدولة من مضمونه.
الأمن: من الفوضى إلى إعادة البناء: في غياب احتكار الدولة للعنف المشروع، تحولت المؤسسات الأمنية في مناطق عديدة إلى “ميليشيات مؤسسة” تحمل شارات رسمية، لكنها تفتقر إلى الانضباط المؤسسي. لكن الأمل لا يزال قائمًا: المؤسسة العسكرية الوطنية برزت كعامل استقرار حاسم في مواجهة التحديات الأمنية (مثل الإرهاب وتهريب السلاح)، حيث حملت مسؤولية حماية الوطن حين فشلت الآليات السياسية. اليوم، فإن تحويل هذا الدور إلى مشروع دائم يتطلب ربط الجيش بدستور وطني يحدد مهامه كحامٍ للسيادة، وينظم علاقته بالسلطة المدنية، ويضمن استقلاليته عن التجاذبات الحزبية.
الحل ليس في صراع المؤسسات، بل في عملية وطنية لدمج التشكيلات المسلحة تحت قيادة واحدة، عبر حوافز مادية ومعنوية (الإدماج الوظيفي، التدريب المهني)، برعاية المؤسسة العسكرية نفسها كطرف موحد. المطلوب ليس إضعاف الجيش، بل تحويله إلى ركيزة لبناء الدولة عبر الشرعية الدستورية والمهنية.
الاقتصاد: النفط كسلاح سياسي: النفط لم يعد موردًا وطنيًّا، بل عملة تفاوضية تستخدم لشراء الولاءات، لا لبناء البنية التحتية. ارتفاع الأسعار لا يحسن معيشة المواطنين، بل يعزز قدرة الأطراف على تمويل استمرار الصراع. وراء هذا الواقع، يكمن نظام فساد منظم يعتمد على:
التجزئة المؤسسية: تعدد البنوك والوزارات المتنافسة يسهل التحايل على الرقابة.
الغموض التشريعي: الفراغ الدستوري يمكِّن المسؤولين من إبرام صفقات دون مساءلة.
الاقتصاد الموازي: شبكات التهريب ليست “هواشًا”، بل جزء عضوي من نظام البقاء السياسي. هنا، الفساد ليس سرقةً، بل آلية لضمان الاستمرارية في ظل انهيار الدولة.
الخارج: من التدخل المباشر إلى “الهندسة المالية”: رغم خطاب الأمم المتحدة عن “الحل الليبي- الليبي”، تحولت التدخلات الخارجية إلى أدوات أكثر نعومة: قروض مشروطة، دعم مراكز بحثية محلية تنتج خطابًا متوافقًا مع أجندات خارجية، أو تمويل تقني موجه. النتيجة: تعميق التبعية، وتفكيك القدرة على صنع القرار الوطني، ما يجسد مفارقة مريرة: ليبيا تدار اليوم بقرارات لا تتخذ في طرابلس ولا بنغازي، بل في عواصم القرار الدولي.
الطريق إلى الدولة: ثلاثة مبادئ لا بديل عنها: الحلول السريعة (كالانتخابات المتعجلة أو حكومات الوحدة) لن تبني دولة. المطلوب: دستور قبل كل شيء: لا انتخابات دون اتفاق على الهوية السياسية الأساسية، ولا دستور دون حوار مجتمعي يتجاوز المحاصصة. النموذج المطلوب هو دولة مدنية توازن بين الوحدة الوطنية والتنوع الجهوي، بعيدًا عن المركزية المطلقة أو الفيدرالية المجزئة.
اقتصاد حرب → اقتصاد بناء: توحيد المؤسسات المالية تحت رقابة دولية مؤقتة وملزمة بزمن محدد (3 سنوات)، ليس كوصاية، بل كضمان لشفافية تعيد ثقة المواطن في الدولة.
نخبة وطنية قائمة على الكفاءة: تفكيك منطق المحاصصة عبر آليات تعيين مهنية في المناصب السيادية، مع فتح الباب للشباب والكفاءات المستقلة بعيدًا عن الولاءات القبلية أو الجغرافية.
الخاتمة: الدولة ليست مؤسسةً، بل مشروع حياة: ليبيا ليست منهارة؛ هي دولة معطلة بقرار نخب يفضل إدارة الأزمة على حلها. استعادتها لا تبدأ بانتخابات، بل بإجابة سؤال جوهري: ماذا تعني “ليبيا” اليوم؟ هل هي كيان لتقاسم النفط، أم مشروع مجتمعي يعيد ربط المواطن بوطن يحمي كرامته؟
الجواب يتطلب خيالًا سياسيًّا يتجاوز لغة الانتقام والتوزيع، إلى لغة العدالة والمشروع المشترك. هنا، المؤسسة العسكرية الوطنية كضامن للأمن.. والدستور كضامن للحقوق.. هما المفتاح. فالمجتمع الليبي لا يحتاج إلى دولة تدار كـ “سوق نفط”، بل إلى دولة تدار كـعهد بين مواطنين.
