مقالات الرأي

نظامٌ يغادر وآخرُ قادم


بقلم/ ناجي إبراهيم


هل سيكون مجلس ترامب للسلام الدولي هو رصاصة الرحمة على جسد النظام الدولي، ويدشّن حقبة جديدة في العلاقات الدولية تسمح للولايات المتحدة بمصادرة القرار الدولي؟
هل سيُكرّس هذا المجلس أحادية القطبية أم يفتح الباب لتشكِّل تعددية قطبية ويقوّي تكتلات جديدة كـ«البريكس»؟
أين تقع ليبيا ومنطقتنا من هذه التحولات والمتغيرات الدولية التي تشهد نهاية نظام دولي وميلاد نظام جديد في دافوس؟
على الرغم من استخدام أمريكا للنظام الدولي في خدمة مصالحها وشرعنة تدخلها في الشؤون الداخلية للدول والشعوب منذ إعلان ميثاق سان فرانسيسكو وميلاد الأمم المتحدة، ولم تواجه بانتقادات قانونية بسبب انتهاكاتها للقانون الدولي لما تمتعت به من حصانة وفّرها لها حق الفيتو، فإنها سعت إلى اتباع سياسات أضرَّت بالمنظمة الدولية وأضعفتها، وباتت عاجزة عن حماية الأمن والسلم الدوليين، وهدَّدت في أكثر من مناسبة بالانسحاب من المنظمات الفرعية، وخاصة الإنسانية، وقطع التمويل عنها، ما أضعف هذه المنظمات وأعجزها عن القيام بمهامها التي أُنشئت من أجلها، وتخلَّت عن عضويتها في أكثر من 66 منظمة، ومنها الأونروا التي تُعنى باللاجئين.
وبلغت الغطرسة، ووصل التطاول بالإدارة الأمريكية في عهد ترامب إلى تجاوز ميثاق الأمم المتحدة وانتهاك القوانين والأعراف الدولية، واعتبار القرارات والسياسات الأمريكية التي تصدر عن البيت الأبيض في مرتبة تعلو القانون الدولي، وأعطى لنفسه الحق في انتهاك سيادة الدول وغزو فنزويلا واعتقال رئيسها، في تحدٍّ سافر لكل القوانين والأعراف. ولم يكن ذلك التجاوز الأول، بل سبقته تجاوزات أخرى، منها غزو بنما واعتقال رئيسها في أواخر القرن الماضي، كما أقدمت إدارة بوش على غزو أفغانستان والعراق وإسقاط نظاميهما في خرق فاضح للقانون الدولي وبمبررات ثبت أنها كاذبة ومُلفّقة، وغذَّت المخابرات الأمريكية الفوضى فيما سُمِّي بالربيع العربي، ومكَّنت التنظيمات الإسلامية المتطرفة من حكم مصر وتونس وليبيا وسوريا خدمةً لمشروعها الاستعماري الإمبريالي.
منذ سقوط الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي، سقط نظام القطبية الثنائية، وتفرَّدت أمريكا بالقرار الدولي، واستخدمت القانون الدولي لخدمة مصالحها والتغطية على تدخلها في مناطق مختلفة من العالم، دون أن تواجه باعتراض داخل المجتمع الدولي، بل وجدت الدعم والتأييد والمساندة من المنظمات الدولية التي وجدت نفسها أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية.
وفي تلك الحقبة تعرّضت شعوب العالم إلى قرارات ظالمة تحت الفصل السابع، ومنها الشعب الليبي الذي عانى من قرار أممي بالحظر والحصار بكذبة اختلقتها المخابرات الأمريكية، دامت عشر سنوات، وطالت حتى الشعائر الدينية في إتمام ركن الحج، فيما عُرف بقضية لوكربي في تسعينيات القرن الماضي.
ما الذي تغيَّر وتبدَّل؟ ما المتغير الذي ظهر وجعل الولايات المتحدة تفكِّر في إنهاء النظام الدولي الحالي والتفكير في نظام جديد؟
وفقًا لمجريات الأحداث خلال العقد الحالي، ومنذ الحرب الروسية على أوكرانيا، والمطالبات الصينية وسلوكها الذي يُظهر رغبة صينية في السيطرة على بحر الصين وضمِّ تايوان، وفشل المساعي الأمريكية لثني الصين وروسيا عن حماية مصالحهما وأمنهما القومي، والذي شمل الاتجاه نحو بناء نظام دولي جديد يقوم على التعددية القطبية وينهي الحقبة التي تفرَّدت فيها أمريكا بالقرار الدولي، ظهرت «البريكس» كمنافس اقتصادي يهدد سطوة الدولار، وقد يتفاقم سعي الصين وروسيا لكسر الهيمنة الأمريكية على السياسة والاقتصاد في العالم، وتحويل البريكس إلى قوة عسكرية في مواجهة الناتو. كل تلك المتغيرات والآمال جاءت معها القفزة الترامبية لقطع الطريق على أي تحول على الساحة الدولية ينهي الهيمنة الأمريكية.
أما الصوت العالي الذي يظهر في تصريحات ترامب والتهديد باستخدام القوة ضد إيران، والتسلل الذي قام به في عتمة الليل ضد فنزويلا، وإصراره على ضم غرينلاند وربما كندا والمكسيك، فلا يعبِّر عن قوة أمريكا، بل يعكس حالة من الضعف وشعورًا بالشيخوخة التي بدأت تضرب الجسد الأمريكي المنهك بالديون التي تجاوزت ثلاثة أضعاف الدخل القومي، وحتى لو أقدمت على تنفيذ سياساتها الجنونية فإنها بذلك تكون قد دقَّت آخر مسمار في نعشها. فبريطانيا، التي كانت لا تغرب عنها الشمس، تآكلت من أطرافها حتى واجهت الجيش الجمهوري في شوارع لندن، وأُجبرت على الجثو على ركبتيها والاعتراف بحقوق الإيرلنديين التي أنكرتها، متسلحة بالقوة الغاشمة لقرون مضت.
أما نحن الليبيين والعرب، فسنكون مسرحًا وميدانًا لبعض المعارك في تلك الحرب التي تدور بين نظامٍ يغادر ونظامٍ قادم. لا يجب أن نكون وقودًا لهذه الحرب، بل علينا أن نتمسَّك بما تبقَّى من سيادة حتى تضع الحرب أوزارها، لنبني دولتنا الوطنية أو القومية بعيدًا عن استقطابات الكبار.

زر الذهاب إلى الأعلى