موائد اللئام!!

بقلم د. مصطفى الزائدي
بكائية “كارني” رئيس وزراء كندا في دافوس ردًّا على الغطرسة الترامبية حيال كندا تعكس المدى الذي وصلت إليه العلاقات الدولية، فإهانات الرئيس الأمريكي ونائبه وأركان حكمه لحلفائها الموثوقين، التي طالت ماكرون، والجيش البريطاني، ورئيس وزراء النرويج، والدنمارك وغيرهم، والتي تصدر على الهواء مباشرة دون أدنى حساب للدبلوماسية أو للأعراف الدولية، وصلت إلى درجة يصعب تحملها، بالرغم من كون أوروبا وكندا تابعين مأمورين للبيت الأبيض منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يقول “كارني” إن النظام الدولي قائم على سطوة الأقوياء على الكرة الأرضية، وطالب الدول متوسطة القوة بأن تتحالف كي تتمكن من الجلوس على الطاولة، حتى لا تكون هي نفسها “المنيو” الذي تتقاسمه الدول القوية. وهي عبارة صادمة في صراحتها، لكنها تعكس حقيقة النظام الدولي كما هو، لا كما يُسوَّق له في خطابات القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ويمكن ربط ذلك بتصريحات ماكرون الذي صرخ في دافوس: “لن نقبل أن نكون عبيدًا لأمريكا، ونحن نمتلك القوة للدفاع عن استقلالنا”. الاستماع إلى تلك الخطابات يعيد إلى الأذهان خطابات زعماء العالم الثالث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين حاولوا الخروج من دائرة الاستعمار والتبعية وبناء هوامش قرار مستقلة، لكن الفارق أن من يصرخ اليوم ليس دولًا مستضعفة، بل قوى غربية كبرى تشعر لأول مرة بأن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة.
وهنا يبرز السؤال الكبير: إذا كانت الدول الغربية القوية تشعر بخوف حقيقي على مستقبل وجودها، وتخشى أن تتحول إلى مجرد قطعة داخل صراع الإمبراطوريات الكبرى، فكيف سيكون حالنا نحن الضعفاء المتشتتين؟ كيف سيكون مصير شعوب لا تمتلك قرارها السياسي ولا سيادتها الاقتصادية، وتعاني من انقسامات داخلية وصراعات مصطنعة غذَّتها القوى نفسها التي تتحدث اليوم عن الاستقلال والندية؟
لا أتصور أن عاقلًا منا يظن أن لنا موضعًا على الطاولة لنطرح مطالبنا وحقوقنا، فكيف بالدفاع عنها وفرضها؟ ألسنا نحن – الشعوب العربية، والإسلامية، وشعوب الجنوب الفقير التي استُعبدت لقرون طويلة – “المنيو” الجاهز الذي سيتناوله الكبار وفقًا لحجم قوتهم ونفوذهم؟
التاريخ الحديث والقديم يجيب عن هذا السؤال بوضوح قاسٍ.
ترامب لم يُخفِ يومًا اهتمامه بالنفط الفنزويلي، لا بالديمقراطية كما ادَّعى الغرب لعقود، وهو يعمل بوضوح لتأمين نفط الخليج ونيجيريا وحرمان الصين منه، في إطار صراع عالمي على الموارد والطاقة، حيث تُسقِط الشعارات وتبقى المصالح وحدها هي الحاكمة.
ولأن الكلام يجرُّ معه كلامًا أكثر إثارة وأهمية، وإذا أخذنا في الاعتبار أن الهدف الأسمى للسياسة الأمريكية منذ أن سيطر عليها المحافظون الجدد واللوبي الصهيوني هو حماية الكيان وتوسيعه، وضمان تفوقه، وتدمير أي قوة قد تشكل خطرًا وجوديًّا عليه، فإن منطقتنا العربية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا عمومًا، تشكل أهمية استراتيجية قصوى للولايات المتحدة، بسبب الموقع الجغرافي، وطرق التجارة، والموارد الطبيعية، وعلى رأسها الطاقة، والمعادن النادرة.
من هنا يمكن النظر إلى مؤتمر الطاقة الذي انعقد في طرابلس الأيام الماضية، فمن جهة، هو لفتح شهية ترامب، كما يعيد إلى الأذهان مرحلة ما قبل التأميم في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الشركات الأجنبية وخاصة الأمريكية تستحوذ على أكثر من تسعين في المئة من عائدات النفط الليبي. ومن جهة أخرى، يعكس طموح بعض المنظمين الليبيين في الاستحواذ على السلطة بأي ثمن، حتى لو كان بيع السيادة والموارد مقابل البقاء في الحكم.
لا شك أن المتحكمين في المشهد أرادوا إيصال رسالة واضحة، مفادها أنهم مستعدون لتقديم ليبيا ونفطها واستقلالها ثمنًا لدعم ترامب لهم للبقاء سنوات أخرى، وهي معادلة مألوفة في عالمنا العربي، حيث تُقدَّم الأوطان قرابين على موائد اللئام، بينما يُترك الشعب خارج الحسابات، مجرد رقم زائد في معادلات القوة.
وهكذا، بينما تتصارع الإمبراطوريات على الطاولة، يطرح السؤال: متى نرفض كوننا “المنيو” الذي يتصارعون لالتهامه؟!
علينا أن نخلع رداء الخوف ونثق في أنفسنا وفي قوتنا وإن جزءًا كبيرًا من قوة أمريكا ناتج عن ضعفنا وتشتتنا.
الخطوة الأولى للبقاء في هذا العالم الذي يتسيده أقويا بلا قيم ولا ضوابط تبدأ من بناء القوة الذاتية وامتلاك سلاح الردع، ونحن بإمكانياتنا البشرية والمادية قادرون على ذلك.
الهند وباكستان وكوريا وضعت نفسها على الطاولة ومنعت عنها التهديد وحمت مستقبل مواطنيها وحافظت على مواردها، الإيرانيون -رغم ما واجهوه من حرب متواصلة لقرابة نصف قرن – نجحوا في فرض معادلة توازن جعلت اتخاذ قرار بالعدوان عليهم أمرًا صعبًا، في يونيو الماضي نجحوا في كسر العدوان الأمريكي الصهيوني، ندعو الله أن ينصرهم في أي عدوان جديد يواجهونه!
الغطرسة الترامبية ليست قضاء محتومًا ولا قدرًا لا بد من التعامل معه، بل ربما تكون مسمارًا أخيرًا في نعش الناتو والإمبريالية، وبداية النهاية لأمريكا نفسها، اليوم نرى ولايات أمريكية كبيرة تنتفض ضد سياسات ترامب، وما قاله حاكم كاليفورنيا في دافوس دليل على أن هذه الأمريكا التي تستعرض القوة على الضعفاء، سيكون مصيرها كمصير النازية.
