العلاقات الإيرانية الأمريكية في سياق البرنامج النووي والصراع الإقليمي

بقلم/ خالد فواز
تُعدُّ العلاقات الإيرانية–الأمريكية من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا واستمرارية في الصراع داخل النظام الدولي المعاصر، إذ لم تقتصر طبيعتها على الخلافات السياسية أو الأيديولوجية فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة، ومنع الانتشار النووي، وتوازنات القوة في الشرق الأوسط. منذ الثورة الإسلامية عام 1979، دخلت العلاقات بين البلدين في حالة من التوتر المستمر، تراوحت بين العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والصراعات بالوكالة، دون انزلاق مباشر إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويعدُّ البرنامج النووي الإيراني محور هذا الصراع، إذ تنظر الولايات المتحدة والدول الغربية إلى البرنامج باعتباره تهديدًا محتملًا للنظام الدولي القائم على منع الانتشار النووي، وتهديدًا مباشرًا لنفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط. في المقابل، تعِدُّ إيران هذا البرنامج حقًّا سياديًّا وأداة ردع تضمن أمنها القومي واستقلال قرارها السياسي في مواجهة الضغوط الخارجية، ما جعل الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) محاولة لتقليص احتمالات الصدام عبر مبدأ التنازل المتبادل.
ويحلل هذا البحث تطور الموقف الإيراني قبل وبعد اتفاق 2015، مع دراسة المتغيرات التي طرأت على أرض الواقع في علاقات إيران مع الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018، واستئناف إيران تخصيب اليورانيوم، والتحولات الإقليمية والدولية التي أثرت على إدارة الصراع بين الأطراف. كما يسلط البحث الضوء على التحديات الاقتصادية والاستراتيجية، والتحالفات الدولية الجديدة، وآليات الردع المتبادل، لتقديم رؤية شاملة حول كيفية إدارة هذه العلاقة المعقدة في ظل التوترات المتجددة بين إيران والغرب حتى عام 2026.
أولًا: الإطار العام للصراع الإيراني – الغربي: يمثل البرنامج النووي الإيراني جوهر الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، ليس بوصفه برنامجًا تقنيًّا فقط، بل كأداة استراتيجية ترتبط بمسألة الهيمنة الإقليمية، وأمن الطاقة، ومنع الانتشار النووي.
وتكمن المخاوف الغربية الأساسية في أن امتلاك إيران قدرات نووية عسكرية قد يؤدي إلى: انهيار نظام منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وانتقال التجربة إلى دول عربية أخرى، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي في المنطقة لصالح قوى إقليمية مستقلة.
ثانيًا: المرحلة السابقة على 2015 – منطق الصدام والعقوبات. قبل عام 2015، اتسمت العلاقات الإيرانية–الأمريكية–الأوروبية بطابع تصادمي، تجسد في:
فرض عقوبات اقتصادية شاملة استهدفت: قطاع النفط والغاز، والنظام المصرفي، والتجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن اتهامات متكررة لإيران بتجاوز الطابع السلمي للبرنامج النووي، من خلال: رفع نسب تخصيب اليورانيوم، وتقييد عمل الوكالة الدولية للطاقة الذري، وقلق أوروبي متزايد من أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيهدد: الأمن الأوروبي غير المباشر، واستقرار أسواق الطاقة، والتوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
في هذه المرحلة، سعت فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى لعب دور الوسيط، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ثالثًا: اتفاق 2015 النووي – منطق الصفقة المتبادلة: جاء الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) في إطار مقاربة تقوم على التنازل المتبادل المؤقت، حيث التزمت إيران بـ:
حصر تخصيب اليورانيوم في نسب منخفضة، واستخدامه لأغراض سلمية وتوليد الكهرباء، وقبول رقابة دولية مشددة، مقابل: رفع العقوبات تدريجيًّا، وإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي، واستئناف العلاقات التجارية مع أوروبا.
وقد عكس الاتفاق إدراكًا أوروبيًّا بأن احتواء إيران اقتصاديًّا أفضل من مواجهتها عسكريًّا.
رابعًا: الانسحاب الأمريكي 2018 – تفكك التوازن: أدى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 إلى: انهيار الثقة في الضمانات الدولية، وعودة العقوبات بصورة أكثر قسوة، وتعطيل الاستثمارات الأوروبية في إيران.
وردَّت إيران على ذلك عبر: استئناف تخصيب اليورانيوم تدريجيًّا، والوصول إلى مستويات قريبة من العتبة النووية (تجاوزت 80%)، واستخدام البرنامج النووي كأداة ردع سياسي واستراتيجي، لا كإعلان رسمي لامتلاك السلاح النووي.
خامسًا: 2023–2026 – الحرب الباردة وإدارة الصراع: دخلت العلاقات خلال هذه المرحلة في إطار حرب باردة منخفضة الحدة، تميزت بـ: ضربات محدودة وغير معلنة لمواقع عسكرية إيرانية، وتصعيد خطابي متبادل دون انزلاق إلى حرب شاملة، وتأكيد إيران على أن أي اعتداء مباشر على أراضيها سيقابل برد قاسٍ. في المقابل، امتنعت الولايات المتحدة وحلفاؤها عن التصعيد المباشر بسبب: الكلفة الاقتصادية الباهظة لأي مواجهة، وخطر تعطيل الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، والتأثير الفوري على أسعار الطاقة والتجارة العالمية.
سادسًا: البعد الاقتصادي والاستراتيجي العالمي: تُعدُّ إيران لاعبًا محوريًّا في معادلة الطاقة العالمية، حيث تمتلك: ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم، وموقعًا جغرافيًّا يتحكم في أهم الممرات البحرية الدولية. وأي تعطيل مؤقت لحركة الملاحة: يرفع أسعار النفط عالميًّا، ويعطل سلاسل الإمداد، ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، ويؤثر سلبًا على الاستثمارات الأجنبية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. لذلك، تفضِّل القوى الغربية إدارة الأزمة بدلًا من تفجيرها.
سابعًا: التحالفات الدولية الجديدة: عززت إيران خلال السنوات الأخيرة شراكاتها مع: روسيا، والصين، في مجالات: الطاقة، والسلاح، والاستثمار، والتجارة بالعملات المحلية. وهو ما زاد من كلفة أي مواجهة عسكرية، وجعل الصراع ذا أبعاد دولية متعددة.
ثامنًا: السيناريوهات المستقبلية المرجحة: تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب الشاملة غير مرجحة في المدى القريب، والعودة إلى اتفاق شامل ليست قريبة أيضًا، والأرجح هو: استمرار إدارة الصراع عبر الردع المتبادل، والضغط الاقتصادي، والتفاوض غير المباشر، بوساطات أوروبية، إلى حين استعادة الأطراف توازناتها الاقتصادية والسياسية.
