الاحتفاء بالرموز الوطنية

مريغان المنفي
ما هي الأوطان؟ أليست هي تلك الحجر والتراب والشواطئ والجبال؟ وأليست هي تلك الجغرافيا المحيطة بنا، نسكنها دائمًا وأحيانًا تسكننا؟
لماذا أحيانًا؟ والشعور بالوطن من أغلى القيم وأعلاها شأنًا، وأرسخها في نفوس البشر، فالوطن الذي هو دفء وانتماء، وهو ظل وغطاء، والذي هو اسم ولقب وتاريخ من علاقة الإنسان بالأرض، فما عناصر تلك العلاقة؟ ولماذا تتميز شعوب بعمق الشعور بالوطنية، وأخرى نراها سريعة التفكك، سهلة التحلل من أواصر الأوطان.
إن تشبيه الوطن بالبيت الكبير هو وصف دقيق وشامل لمعنى ارتباط الفرد بداره الكبرى، وتمييز للعلاقة المترابطة بين الحجر والبشر، فالبيوت التي تجمع الأسرة في ذكريات وعلاقات اجتماعية راسخة، وتربية معمقة من أب وأم حريصين على سلامة ونجاح أبنائهما، وإلى مناسبات تتخللها مواقف وأحداث، فالبيوت ما هي إلا حاضنة لسيرة وأحداث وذكريات وأخبار، لذلك نرتبط ارتباطًا وثيقًا بديارنا الأولى، شاهدة على ما نعنيه نحن، فالإنسان ما هو إلا سيرة من إخفاقات ونجاح، وأحداث من أفراح وأتراح، ولذلك فالأوطان لا تحيا في النفوس ولا تقوى عرى المشاعر نحوها إلا برموزها الثقافية والاجتماعية والفنية والرياضية.
إننا إذا كان من غاياتنا الحفاظ على معنى الوطن في القلوب، فعلينا أن نحول الوطن إلى معنى ومغزى، وأن نحتفي بأبناء الوطن الذين صنعوا سيرته الثقافية والاجتماعية، والذين رافقوا مسيرته الفنية والرياضية، وأن نشيد بكل ابن من أبناء الوطن وضع بصمته على جدار الذكريات لهذه البلاد التي تضمنا أركانها، والاحتفاء بالمبدعين والمفكرين والفلاسفة والعباقرة والكتاب والصحافيين والفنانين بمختلف صنوف الفن من مسرح وغناء وتمثيل، والرسامين والنحاتين، ومن في حكمهم من أهل الإنتاج الأدبي أو المادي المؤثر، والإشادة بالأبطال في الرياضة بجميع أنواعها ومنها ما لا يُحصر. إنما تمثل هذه الإشادة، ويحقق هذا الاحتفاء احتفالًا عميق الأثر بالوطن، لأن الوطن هنا يتحول إلى كيان حي نابض بالوعي ومؤثر في مسيرة الإنسانية.
إن الأوطان الفقيرة في إنتاجها الأدبي والفكري والثقافي هي أوطان عاجزة، وعلامة عجزها الفقر في الإنتاج، وهي أوطان خاملة، يظهر خمولها في خمول ذكرها بين الأوطان، وهي أوطان معزولة عن مسيرة الإنسانية، وحتى إن استطاعت استيراد الحضارة فلن تستطيع استيراد الشعور بالرقي ولا رهافة الحس، وستبقى شعوبًا مزيفة مرهون بقاؤها ببقاء مداخيلها، بل إنها شعوب بلا أوطان، ومجرد بثور تتطاير مع اختفاء الوهم ومجيء ساعة الحقيقة.
وهي في حقيقة أمرها تحيا حياة الآخرين، ولا تستطيع أن تعيش ظروفها ومناخها وذكرياتها.
إن بلادنا ليبيا.. البحر والجبل والصحراء، وهي من أهم الدول في العالم جغرافيًّا وتاريخيًّا، هي في مصاف الدول الولَّادة للمبدعين، وتضيق الصفحات بذكر أبنائها المبدعين والأبطال في كل المجالات، وعلى سبيل الذكر لا الحصر نستشهد باسم الصادق النيهوم المفكر والفيلسوف، ورجب بو دبوس أستاذ الفلسفة في الجامعات الليبية، والدكتور نجيب الحصادي الفيلسوف صاحب البصمة في المنطق وفلسفة العلوم، والدكاترة علي فهمي خشيم في العلوم التاريخية واللسانيات، وخليفة التليسي الأديب المؤرخ المترجم، وإبراهيم الكوني الروائي الأديب المبدع، وعلي مصطفى المصراتي الأديب القاص، وأحمد إبراهيم الفقيه، وكامل حسن المقهور، وعبد الله القويري، وخليفة التكبالي، ومن العلماء والمخترعين صلاح الدين اطبيقة مخترع نظام الدفع للسفن، ومخترع جهاز تطابق الدم فتحي بو عوصة، والدكتور حسن بونوارة الذي أشادت به فرنسا في معرض غرونوبل الثامن، ومحمد جابر مخترع اليد الإلكترونية.. إلخ.
إن هؤلاء علامات مضيئة ونجوم في سماء بلادنا، إن هؤلاء وغيرهم ممن نعجز عن حصرهم هم ليبيا الثقافية والفكرية والفنية والإبداعية، وهم تاريخ وسيرة أهل ليبيا، وطمس تاريخهم ما هو إلا محاولة لطمس تاريخ ليبيا، واستبدالهم بغيرهم ما هو إلا استلاب آثاري لآثار وإنتاج الليبيين بغيرهم، وهو لا يدوم وإن كانت آثاره قوية بعض الأحيان.
إن الإبداع في أي وطن هو وجه ذلك الوطن الذي يقابل به الآخرين، ورموزه التي تدل على أصالته وعمق تاريخه، وإنه ليحزنني أن يموت مثل هؤلاء مرتين: مرة كجسد محتوم انقضاء عمره، وأخرى موتًا كما تموت الأوطان.
